جددت الصين عزمها على مواصلة نموذجها الاقتصادي القائم على الصناعة المتقدمة والاستثمار، رغم ضغوط الدول الغربية لزيادة الاستهلاك المحلي. وتشير الرسائل الصادرة من بكين قبل جولة جديدة من المحادثات التجارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى أن البلاد لن تجري تغييرات جذرية في سياساتها.
الدفاع عن النموذج الاقتصادي
يرى الغرب أن السياسات الاقتصادية الصينية تعطي أولوية أكبر للمنتجين مقارنة بالأسر، مما يؤدي إلى تدفق الصادرات منخفضة التكلفة إلى الأسواق العالمية ويضغط على الصناعات في الاقتصادات المنافسة. لكن المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني أكد في اجتماعه الأخير استمرار النهج الاقتصادي الحالي، ودعا إلى تقديم دعم مستهدف للاقتصاد بدلاً من حزم تحفيز واسعة النطاق.
ووفقاً لتقرير لرويترز، رفضت وزارة التجارة الصينية في تقرير تقييمي صدر مؤخراً اتهامات الغرب بوجود فائض صناعي، زاعمة أن هذه الادعاءات تحمل "أخطاء منطقية" و"أهدافاً خفية". في حين دافعت مجلة "تشيوشي"، الناطقة باسم الحزب، عن أن انخفاض الاستهلاك المحلي هو نتيجة طبيعية لمسار التنمية القائم على الاستثمار والتصنيع.
رسائل قبل المفاوضات
أشار شو تيان تشن، كبير الاقتصاديين في وحدة الاستخبارات الاقتصادية، إلى أن بكين رغم عدم رفضها العلني لتغيير سياساتها، إلا أنها وجهت رسالتين واضحتين قبل مفاوضات تجارية وشيكة. تهدف الرسالة الأولى إلى تسهيل المفاوضات عبر مطالبة الشركاء الغربيين بفهم خلفية النموذج الاقتصادي الصيني. أما الرسالة الثانية فترسم "خطوطاً حمراء" ضد الممارسات التي تعتبرها الصين تمييزية تجاه شركاتها ومنتجاتها.
وتشدد الصين على أن نموذجها الاقتصادي لا يزال يعكس احتياجات اقتصاد لا يزال في مرحلة اللحاق بالدول المتقدمة، وأن استثماراتها في التكنولوجيا والبحث العلمي تحقق فوائد تتجاوز الحدود الوطنية.
جدل الفائض الإنتاجي
ورغم دفاع بكين عن سياساتها، يرى العديد من الخبراء أن ضعف الطلب المحلي جعل الاقتصاد الصيني يعتمد بشكل متزايد على الصادرات لدعم النمو. وقال إسوار براساد، خبير السياسة التجارية بجامعة كورنيل والمسؤول السابق في صندوق النقد الدولي، إنه من الصعب إقناع العالم بأن الصادرات الصينية "هدية للمستهلكين" في وقت يعتمد فيه الاقتصاد الصيني الضخم على الأسواق الخارجية لتعويض ضعف الاستهلاك المحلي.
وبدأت أوروبا أيضاً في اتخاذ خطوات لحماية صناعاتها. ففي العام الماضي بلغ متوسط العجز التجاري اليومي مع الصين مليار دولار، وانتقد المستشار الألماني فريدريش ميرتس الإبقاء على قيمة اليوان منخفضة مما يمنح الصادرات الصينية ميزة تنافسية.
ولفتت أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لبنك ناتيكسيس في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إلى أن بكين أصبحت أكثر ثقة في إدارة نزاعاتها التجارية مع الغرب دون تقديم تنازلات كبيرة. وأوضحت هيريرو أن التجربة السابقة مع الرسوم الجمركية الأمريكية قدمت للصين نموذجاً لإدارة النزاعات التجارية وكسب الوقت.
خطوات إصلاح تدريجية
ومع استمرار تمسكها بالنموذج الحالي، بدأت الصين في اتخاذ خطوات محدودة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، من بينها فرض رقابة صارمة على إنفاق الحكومات المحلية والحد من المنافسة السعرية التي تضغط على أرباح الشركات.
يقر المسؤولون الصينيون بوجود خلل في التوازن بين العرض والطلب ويشددون على أهمية زيادة الاستهلاك المحلي، لكنهم يفضلون تطبيق الإصلاحات بشكل تدريجي لتفادي حدوث هزات اقتصادية واسعة النطاق.
في المقابل، تشير التقارير الدولية إلى استمرار التحديات الهيكلية. تقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن نحو 60% من مكاسب الحصة السوقية للشركات الصينية ناتجة عن الدعم الحكومي، بينما كشفت دراسة للبنك المركزي الإيطالي أن عوامل داخلية مثل ضعف الاستهلاك وفائض الإنتاج تساهم بنسبة 75% من نمو الصادرات الصينية.
ووفقاً لتقرير معهد ماكينزي العالمي، تضيف الصين طاقة إنتاجية جديدة بوتيرة أسرع بثلاث مرات من أوروبا والولايات المتحدة مجتمعتين، لكن العائد على رأس المال أقل بنحو 40%. ويرى محللون نقلت عنهم رويترز أن هذا الوضع يبقي النقاش حياً حول استدامة النموذج الاقتصادي الصيني على المدى الطويل.