كشفت أبحاث أجرتها جامعة بيتش في المجر عن نتائج جديدة بشأن المستوطنة العثمانية المحيطة بقلعة سيغيتفار، حيث توفي السلطان سليمان القانوني خلال حملته الأخيرة عام 1566. وأظهرت المسوحات السطحية والدراسات الجيوفيزيائية التي أُجريت خلال الفترة 2024-2025 أن المستوطنة، المعروفة باسم «توربك»، كانت أكبر وأكثر ثراءً مما كان يُعتقد سابقًا.
وتبيّن أن كثافة اللقى العائدة إلى العهد العثماني تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنها تنتشر على مساحة تقارب 80 هكتارًا. وأسهمت آثار المباني والأدوات المستخدمة في الحياة اليومية والفخاريات والعملات والحلي ونماذج من المشغولات المعدنية العثمانية في تقديم معلومات عن حجم المستوطنة والحياة اليومية فيها.
الحملة الأخيرة لسليمان القانوني
بعد نحو 46 عامًا من الحكم، غادر سليمان القانوني إسطنبول في 1 مايو 1566 متوجهًا إلى حملته الثالثة عشرة والأخيرة. ورغم تقدمه في السن ومرضه، بقي على رأس جيشه، ونُصبت خيمته على تل يطل على قلعة سيغيتفار، ويُعتقد أنه المكان الذي أُقيم فيه مجمع الضريح لاحقًا.
توفي سليمان القانوني في خيمته ليلة 6-7 سبتمبر. وبعد وقت قصير من وفاته، انتقلت قلعة سيغيتفار إلى سيطرة القوات العثمانية.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المقربين من سليمان أخفوا خبر وفاته لبعض الوقت بهدف الحفاظ على معنويات الجيش وانضباطه، وضمان انتقال العرش إلى نجله سليم الثاني بسلاسة. ولمنع تحلل الجثمان، أُخرجت أعضاؤه الداخلية، وطُيب جسده بالعنبر والمسك، ودُفن نعشه مؤقتًا تحت العرش في خيمته.
وبحسب بعض المصادر التاريخية والاعتقاد السائد، دُفنت الأعضاء الداخلية التي أُخرجت في الموقع الذي كانت فيه الخيمة. وبعد نحو 42 يومًا، أُخرج الجثمان ووُضع في عربة استعدادًا للعودة، وتعامل المرافقون طوال الطريق كما لو أن السلطان لا يزال حيًا، قبل الإعلان رسميًا عن وفاته بعد وصول سليم الثاني إلى بلغراد.
المستوطنة المحيطة بالضريح
وبأمر من سليم الثاني، أُقيم ضريح في المكان الذي يُعتقد أن سليمان القانوني توفي فيه ودُفنت أعضاؤه الداخلية. ومع مرور الوقت، تحول الضريح إلى موقع مهم للزيارة، وشُيدت حوله منشآت مثل مسجد وتكية للدراويش ودار للضيافة وثكنة للحرس.
وأُحيط مجمع الضريح بسياج خشبي ومنشآت دفاعية، فيما نشأت حوله مستوطنة مدنية. وخلال انسحاب الحكم العثماني من المنطقة، دُمّرت منشآت توربك، ثم هُدمت بقاياها وتحولت المنطقة مع مرور الوقت إلى كروم وبساتين، فنُسي الموقع الدقيق للمستوطنة.
تحديد موقع الضريح المفقود
بدأت الأبحاث الحديثة للعثور على ضريح سليمان القانوني عقب اتفاق وُقع عام 2012 بين وكالة التعاون والتنسيق التركية وبلدية سيغيتفار. ودرس فريق متعدد التخصصات برئاسة البروفيسور نوربرت باب من جامعة بيتش الوثائق التاريخية والخرائط وسجلات الأراضي ومخطط مجمع الضريح الذي رُسم عام 1664.
وخلصت الدراسات إلى أن الموقع الأصلي للضريح كان في تل أوزوم تبه، الواقع في منطقة توربك-زيبوت على بعد نحو 4.2 كيلومتر شمال شرقي قلعة سيغيتفار. وأسفرت الحفريات التي بدأت في المنطقة عام 2015 عن كشف مبنى مربع المخطط، عرّفه الباحثون بأنه الضريح الذي شُيد باسم سليمان القانوني.
وكشفت الأعمال اللاحقة عن آثار مسجد وتكية للدراويش ودار للزوار وثكنة للحرس وسياج خشبي ومنشآت تابعة لمستوطنة مدنية.
اللقى تسلط الضوء على الحياة اليومية
وعُثر خلال أبحاث الفترة 2024-2025، حول مبانٍ شُيد بعضها بالطوب وغُطي بالقرميد، على أدوات مستخدمة في الحياة اليومية وفخاريات وعملات وحلي ونماذج من المشغولات المعدنية العثمانية.
كما كشفت الحفريات عن بئر وحفر كبيرة للتخزين. وعُثر داخل الحفر على بقايا حبوب وقطع من الفخار المحروق تعود إلى أنظمة التدفئة وأوعية ذات قوائم وقطع من فناجين خزفية وقطع من أوانٍ زجاجية ملونة.
وشملت اللقى عملة ذهبية نادرة تعود إلى القرن السادس عشر، وعملة فضية من فترة خانية القرم، وقطعًا من أدوات المائدة العثمانية، وخواتم وأبازيم مزخرفة وزخارف لعدة الخيل. وتشير نتائج الأبحاث إلى وجود مستوطنة عثمانية واسعة خارج نطاق مجمع الضريح، وإلى أن بعض السكان والزوار فيها كانوا ميسوري الحال مقارنة بظروف تلك الفترة.