صعود لويس دي لا فوينتي
بلغ لويس دي لا فوينتي قمة كرة القدم لا عبر بوابة الشهرة، بل من خلال العمل في قطاعات الناشئين والعمل الهادئ. وعندما تولى تدريب المنتخب الإسباني، لم تكن خلفه إنجازات كبيرة مع الأندية. لكنه خلال عامين قاد إسبانيا أولًا إلى لقب بطلة أوروبا، ثم إلى لقب بطلة العالم، ليخلد اسمه في التاريخ.
مسيرته كلاعب وبدايته الهادئة
وُلد لويس دي لا فوينتي كاستيو عام 1961 في مدينة هارو الإسبانية، ولم يكن نجمًا لافتًا خلال مسيرته كلاعب. لعب في مركز الظهير الأيسر مع فريقي أتلتيك بلباو وإشبيلية وغيرهما. وكان جزءًا من الفريق الذي أحرز لقبَي الدوري مع بلباو عامي 1983 و1984، إضافة إلى كأس الملك عام 1984. لكن دي لا فوينتي كان لاعبًا يؤدي واجبه أكثر من كونه نجمًا تتصدر صوره العناوين، وبعد اعتزاله كرة القدم بقميص ألافيس عام 1994، اتجه إلى التدريب.

الخطوات الأولى في التدريب
بدأ دي لا فوينتي التدريب مع فرق متواضعة مثل بورتو غاليتي وأوريرا. ثم عمل في قطاعات الناشئين بأتلتيك بلباو. وفي عام 2011 تولى تدريب ألافيس، لكنه أُقيل بعد بضعة أشهر فقط. وفي تلك المرحلة من مسيرته، خشي الابتعاد عن كرة القدم، إلا أن إعلانًا في إحدى الصحف غيّر مصيره.
الاتحاد الإسباني لكرة القدم يفتح الباب
بعد أن رأى دي لا فوينتي إعلانًا يبحث فيه الاتحاد الإسباني لكرة القدم عن مدربي قطاعات الناشئين، تقدم للوظيفة من دون تردد. وبعد مقابلة أجراها مع مدرب إسبانيا السابق إيناكي سايز، بدأ فترة مؤقتة مع منتخب تحت 19 عامًا. وفي مايو 2013 أصبح المدرب الدائم لمنتخب تحت 19 عامًا. ورغم أن هذا التعيين لم يلقَ صدى كبيرًا في إعلام تلك الفترة، فإنه كان بداية مسيرة دي لا فوينتي في الاتحاد، التي استمرت نحو عشر سنوات.
نجاحات انطلقت من قطاعات الناشئين
فاز دي لا فوينتي ببطولة أوروبا تحت 19 عامًا عام 2015. ثم أحرز لقب بطولة أوروبا 2019 مع منتخب إسبانيا تحت 21 عامًا. وفي أولمبياد طوكيو 2020، قاد إسبانيا إلى الميدالية الفضية. وخلال هذه الفترة عمل مع لاعبين مثل أوناي سيمون، وميكل ميرينو، وفابيان رويز، وداني أولمو، وميكل أويارزابال، الذين شكلوا لاحقًا العمود الفقري للمنتخب الأول. وكان تعرفه إلى اللاعبين منذ سن مبكرة أحد أهم عوامل نجاحه اللاحق.
المشككون بعد لويس إنريكي ومهمة المنتخب
بعد خروج إسبانيا أمام المغرب بركلات الترجيح في كأس العالم 2022، ترك لويس إنريكي منصبه. وبينما كان المنتظر تعيين اسم كبير خلفًا له، اختار الاتحاد دي لا فوينتي. وقوبل القرار في البداية بقدر كبير من الشك، لكن دي لا فوينتي أكد أن معرفته الوثيقة باللاعبين الشبان تمنحه ميزة كبيرة. وتحدى الانتقادات قائلًا: «إذا كان هناك من يعرف حاضر كرة القدم الإسبانية ومستقبلها أكثر مني، فهو أنا».
إعادة تشكيل هوية إسبانيا
لم يتخلَّ دي لا فوينتي تمامًا عن أسلوب إسبانيا التقليدي القائم على التمرير، لكنه أدخل نهجًا أكثر مباشرة في الهجوم. واستفاد الفريق من سرعة لاعبي الأجنحة وعرضياتهم، ومن وجود أكثر فاعلية للمهاجم داخل منطقة الجزاء، فأصبح يصل إلى مرمى المنافسين بسرعة أكبر مع مواصلة الاستحواذ على الكرة. وأثمر هذا التوازن أولًا عن الفوز بدوري الأمم الأوروبية عام 2023.
يورو 2024: الاختبار الكبير الأول
ذهبت إسبانيا إلى يورو 2024 من دون توقعات بإحراز اللقب، لكنها فرضت سيطرتها على البطولة ورفعت الكأس بعد تحقيق سبعة انتصارات في سبع مباريات. وأثبت هذا الانتصار متانة مشروع دي لا فوينتي، كما توج العمل الذي بدأ في قطاعات الناشئين قبل سنوات.

كأس العالم 2026: الطريق إلى الانتصار
لم تركن إسبانيا إلى الاسترخاء بعد يورو 2024، بل وصلت إلى كأس العالم 2026 وهي أكثر قوة. ورغم بدايتها الصادمة بالتعادل السلبي مع الرأس الأخضر، سرعان ما استعاد الفريق توازنه. وفي طريقها إلى النهائي، أقصت إسبانيا فرنسا بقيادة كيليان مبابي، وبلجيكا التي ضمت كيفن دي بروين وروميلو لوكاكو، والبرتغال بقيادة كريستيانو رونالدو، ولم تستقبل سوى هدف واحد. وفي النهائي، فازت «لا روخا» على الأرجنتين 1-0، وأنهت البطولة بعدما استقبلت هدفًا واحدًا فقط في ثماني مباريات. وكان هذا الانضباط الدفاعي والتنوع الهجومي ثمرة العبقرية التكتيكية لدي لا فوينتي.
إرث الثائر الهادئ
أثبت لويس دي لا فوينتي أنه يمكن تحقيق النجاح ليس بالاعتماد على النجوم وحدهم، بل بالإيمان بالنظام واللاعبين الشبان. وقد دخل المدرب قائمة أعظم المدربين في تاريخ إسبانيا، ويُنظر إليه بالفعل بوصفه أسطورة.