متحف زايد الوطني في أبو ظبي لا يقتصر على عرض التاريخ فقط، بل يتحول إلى مركز مهم يبحث في ماضي المنطقة. يهدف المتحف، من خلال الطرق التجريبية والتعاون بين خبراء من تخصصات مختلفة، إلى فهم تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل أعمق.
واحدة من أبرز الأمثلة على النهج المؤسسي كانت سفينة ماجان. السفينة السوداء التي يبلغ طولها 18 متراً تستقبل الزوار في بهو المتحف الجديد وتذكر بالتجارة البحرية التي كانت قائمة في المنطقة منذ آلاف السنين.
أبرز النقاط
- تم إعادة بناء سفينة ماجان بناءً على أبحاث المتحف.
- تم تنفيذ العمل بالشراكة مع جامعة زايد وجامعة نيويورك أبو ظبي.
- تم إعداد السفينة باستخدام طرق تجريبية تتعلق بتاريخ الملاحة في العصر البرونزي.
- قطعت السفينة 50 ميلاً بحرياً خلال تجربة الإبحار التي استمرت يومين.
- يحول المتحف البحث إلى هيكل دائم من خلال مختبرات الحفظ واستوديوهات الفحص الرقمي.
خط بحري يمتد لآلاف السنين
تم تصميم سفينة ماجان لإحياء العلاقات التجارية القديمة بين دولة الإمارات العربية المتحدة الحالية وبلاد ما بين النهرين وجنوب آسيا. العمل الذي اكتمل في 2024 هو نتاج سنوات من البحث المشترك بين المتحف وجامعة زايد وجامعة نيويورك أبو ظبي.
شارك في المشروع أكثر من 20 خبيراً. علماء الآثار والأنثروبولوجيا، وصانعو السفن، والمهندسون، والعلماء استخدموا التقنيات القديمة، وأساليب البناء التقليدية، والمواد المحلية المشار إليها في المصادر الأثرية لإعداد السفينة بأكبر قدر ممكن من الدقة التاريخية.
لم تُعاد السفينة فقط، بل أُطلقت في البحر أيضاً. خلال رحلة بحرية استمرت يومين برفقة القبطان الإماراتي مروان عبد الله المرزوقي، قطعت السفينة 50 ميلاً بحرياً في الخليج بسرعة وصلت إلى 5.6 عقدة في الساعة.
السياق: تؤكد إدارة المتحف أن هذا العمل ليس مجرد نسخة مكررة، بل يقدم معلومات جديدة عن تقنيات الملاحة المبكرة، وشبكات التجارة، والروابط بين الثقافات.
تجربة المعرض تندمج مع البحث
تتناول ست صالات دائمة في متحف زايد الوطني تاريخ البلاد وتراث القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان معاً. تجمع ترتيبات العرض بين القطع الأثرية والتطبيقات البصرية والسمعية والحسية المعاصرة.
يقدم معرض "على سواحلنا" جداراً تفاعلياً يمكن للزوار من خلاله تجربة روائح تجارة التوابل أثناء سرد العلاقة التاريخية للبلاد مع البحر. أما سفينة ماجان فتُعرض في قسم الليوان مع تنظيم يوضح عملية البحث والمواد المستخدمة والخلفية التاريخية.
إعادة قراءة قبر عمره 8 آلاف عام
أحد الأعمال التي تبرز قدرة المتحف البحثية كان على قبر امرأة يعود تاريخه إلى حوالي 8 آلاف عام في جزيرة مراوة. عثر علماء الآثار بجانب الهيكل العظمي على ريش أسود، وقلائد مصنوعة من أسنان قرش، وأسلحة حجرية دقيقة الصنع بمقابض من عظام الإنسان.
أظهرت الدراسات على هذا الاكتشاف المعروف باسم امرأة مراوة أن المرأة عاشت لفترة أطول من متوسط عمر عصرها وربما كانت محاربة أو زعيمة قبيلة. أعد الفنانون الشرعيون وعلماء الآثار إعادة تمثيل دقيقة تعكس مظهرها وممارسات مجتمعها الثقافية.
مختبرات الحفظ ونظام المسح الرقمي
يضم المتحف مختبرات حفظ منفصلة للورق والنسيج، ومساحات خاصة للأجسام ثلاثية الأبعاد، واستوديو رقمنة للتسجيل التفصيلي. بفضل نظام التصوير متعدد الأطياف، يمكن فحص القطع بأدق التفاصيل التي لا تُرى بالعين المجردة.
تم مسح نسخ المصحف الأزرق في المتحف بهذه الطريقة. كشفت إحدى الصفحات عن آيات لم تُلاحظ سابقاً تحت طبقات التذهيب الذهبي. ساهم هذا الاكتشاف في فهم أفضل للمواد والتقنيات وفلسفة الفن المستخدمة في إنتاج المخطوطات الإسلامية المبكرة.
تعود هذه الصفحات إلى القرنين الثامن والتاسع وتُعد من أهم القطع في مجموعة المتحف. تؤكد الإدارة على أهمية دمج المعدات المتقدمة مع الخبرات الأثرية والعلمية والمنسقية ضمن نظام بحثي أوسع.
صندوق البحث يدعم الدراسات الدولية
في مركز برنامج البحث بالمتحف يوجد صندوق أبحاث متحف زايد الوطني الذي أُطلق في 2023. يوفر الصندوق دعماً سنوياً بقيمة مليون درهم إماراتي ويشمل مشاريع من الصين، ومصر، والهند، وإيطاليا، وبولندا، والإمارات، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة.
يهدف البرنامج إلى تعميق الفهم حول آثار البلاد وبيئتها وتراثها الثقافي، بالإضافة إلى بناء شبكات دولية من المعرفة والخبرة. يمكن أن تُنشر هذه المشاريع في مجلات محكمة أو كتب عالمية، كما تؤثر مباشرة على سرديات المعارض والمعارض المؤقتة المستقبلية للمتحف.
من بين 10 مشاريع تم اختيارها في الجولة الأولى، كان هناك دراسة لإعادة بناء تاريخ السكان باستخدام تحليل الحمض النووي القديم، وبحث عن حركة العصر البرونزي المبكر في واحة العين، ومشروع يركز على القصص غير المرئية للنساء في شبه الجزيرة العربية خلال طريق الحرير.
في الجولة الثانية، تم دعم دراسات تشمل قطع فخارية من المواقع الأثرية في رأس الخيمة، وتحليل بقايا عضوية في الأواني القديمة في جنوب شرق الجزيرة العربية، وتحضير موسوعة مصورة للأشجار الخاصة بدولة الإمارات.
تقول إدارة المتحف إنه سيتم الإعلان عن نتائج المشاريع المدعومة في السنوات السابقة، تليها دعوة لتقديم طلبات جديدة. من بين أهداف المؤسسة المستقبلية تعميق التعاون الدولي، وتوسيع أرشيف التاريخ الشفهي، وإنتاج دراسات تجمع بين النهج الأكاديمي التقليدي والأساليب الجديدة.
يهدف متحف زايد الوطني من خلال هذه الأعمال إلى أن يكون مؤسسة بحثية حية لا تحافظ فقط على الماضي، بل تفتح المجال أمام أجيال جديدة من المؤرخين وعلماء الآثار وخبراء التراث الثقافي.