السلطة تعني قوة كبيرة، فهي التي تحدد متى وكيف وأي المواضيع تُناقش. رغم أننا قد نفهم من خلال قراءة التاريخ أن الأمور لا تحدث لأن الناس يريدونها، بل لأنها يجب أن تحدث، إلا أن الأمل بأن يكون لنا القول هذه المرة يشبه شعور الجائع تجاه قطعة خبز.
وبالنظر إلى الإحباط الذي يشعر به الكثير منا بسبب السياسة اليومية، أود اليوم أن أتحدث عن أمور تبعث على الأمل. ولن نتحدث عن الفن، بل عن الثقافة العلمية. سأحدثكم عن مؤتمر Expermed الخامس الذي عُقد في إسطنبول، والذي يركز على مجال مهم ضمن صحة الإنجاب وهو علاجات أطفال الأنابيب.
لمن قد يشعر أن الموضوع لا يهمه، أقول إن احتياجات الناس قد تظهر في أي وقت، وربما تتعلم معلومة تميزك في مسابقة، أو تثير إعجاب أصدقائك، أو تقدم نصيحة، أو ربما تحتاج هذا العلاج يوماً ما، أو ببساطة تلبي فضولك العلمي. أنصحكم بالقراءة لتغيير أجوائكم.
شعروا بوجود علماء وأطباء وأخصائيي أجنّة وممرضين متميزين في بلدنا. دعونا نصلح العلاقة التي تم تعمد تباعدها وحتى تحويلها إلى عداء بين المريض والطبيب. استمر المؤتمر في إسطنبول لمدة يومين، بمشاركة متحدثين من 19 دولة و300 مشارك، من الصباح الباكر حتى حلول الظلام.
تم تبادل معلومات مثمرة وتواصل اجتماعي بين الأطباء الذين يسألون "كيف يمكنني أن أفعل الأفضل لمرضاي؟" وزملائهم الذين يشاركون أحدث الأبحاث والتجارب. علاجات أطفال الأنابيب تتطور بسرعة غير عادية مع دمج العلوم الجينية، والآن دخل الذكاء الاصطناعي في المعادلة، مما يجعل تصور المستقبل مثيراً للغاية.
الجملة المحورية للمؤتمر كانت "مستقبل طب الإنجاب" (The Future of ART). أجريت مقابلة قصيرة مع منظمي المؤتمر، البروفيسور الدكتور جوركان بوزداغ والبروفيسورة الدكتورة ف. كوبرا بوينوكالين، الذين أجابوا على أسئلتي رغم تعبهم.
لنحترم جهودهم ونستمتع بقراءة مفيدة. - عقد مؤتمر Expermed 2026، المتخصص في مجال الطب، للمرة الخامسة. كان من المقرر عقد المؤتمر الرابع في هاتاي عام 2023، بعد شهر من زلزال 6 فبراير، لكنه أُلغي بسبب الكارثة التي أثرت على حياتنا جميعاً بشكل مباشر أو غير مباشر.
هل يمكنكم التحدث عن تاريخ هذا الاجتماع العلمي الخاص الذي عُقد في مدن مختلفة؟ كيف بدأت الفكرة وتطورت؟ - قبل البدء، لا يسعني إلا أن أبتسم عندما أفكر في مكاننا وكيف وصلنا إلى هنا. كل شيء بدأ في 2008 بفكرة بسيطة لكنها قوية من أستاذنا العزيز البروفيسور الدكتور مصطفى باهجيجي.
كانت علاجات أطفال الأنابيب لا تزال في بدايات انتشارها في تركيا؛ مجال شاب وسريع النمو، مليء بالأسئلة وقليل من الإجابات. رأى الأستاذ أن الخبرة لا يجب أن تبقى محصورة داخل جدران عيادة واحدة، فتم عقد أول مؤتمر في ذلك العام، وحظي بإعجاب الأطباء.
واجهنا تحديات مثل الظروف الوطنية والأزمات العالمية كالجائحة، لكن المؤتمر عاد كل مرة في مدينة مختلفة وبطاقة جديدة. منذ المؤتمر الثاني بدأنا تنظيمه تحت اسم EXPERMED، الذي يعني الأطباء المتخصصين في مجالهم. هذا هو مؤتمرنا الخامس، ولكل واحد قصة مختلفة.
أصعب لحظة كانت في المؤتمر الرابع الذي كان من المقرر عقده في هاتاي. كان كل شيء جاهزاً، لكن بعد شهر من التحضير وقع زلزال 6 فبراير 2023. لم يُعقد ذلك المؤتمر، لكننا لم ننسَ المدينة ولا الألم. اليوم نحن في المؤتمر الخامس، وبصراحة، كان من الصعب تخيل أننا سنصل إلى هذا المستوى منذ البداية المتواضعة في 2008.
اليوم يتحدث كبار الخبراء الأوروبيين، ويجلس مشاركون من دول مختلفة في القاعة. تحول Expermed من منصة وطنية إلى مؤتمر علمي دولي حقيقي. - كيف ترى التغيرات في المؤتمر من حيث المتحدثين والمشاركين مقارنة بالمؤتمر الأول؟
من حيث المستوى العلمي للمتحدثين، وحضور المشاركين، والدعم من الرعاة، ما الذي تحسن وما الذي يشكل تحدياً؟ - المشاركة كمتحدث أو مشارك تختلف كثيراً عن إعداد البرنامج العلمي. المتحدث دوره واضح، يقدم موضوعه بأفضل شكل بناءً على بياناته العلمية وخبرته السريرية.
لكن إعداد البرنامج مسؤولية مختلفة تماماً. يجب أن تسأل نفسك: ما هو الموضوع الحقيقي الذي يشغل مجالنا اليوم؟ ماذا سنناقش غداً؟ والأهم، ماذا نريد أن نقدم لزملائنا الشباب؟ لا نريد فقط نقل معلومات، بل رؤية، ومنهجية تفكير. هذا أصعب بكثير.
مجالنا يتغير بسرعة. ما كان مثيراً للجدل بالأمس قد يصبح مقبولاً اليوم، أو العكس. يجب أن نواكب هذا التغير بدقة، لا مبكراً ولا متأخراً. من المؤتمر الأول كان التركيز على تبادل الخبرات.
الآن نريد النقاش، التساؤل، وجمع وجهات نظر مختلفة على الطاولة. الشباب اليوم يصلون إلى المعلومات بسهولة، ما يحتاجونه هو تعلم كيفية طرح الأسئلة. من ناحية المتحدثين، تغير الكثير. في البداية اعتمدنا على أسماء وطنية، أما اليوم فيتحدث على المنصة خبراء معروفون عالمياً.
هذا ليس ترفاً، فلغة العلم عالمية وأسئلته كذلك. أن يناقش طبيب في تركيا مع زميل له في كوبنهاغن أو لندن على نفس الطاولة أمر ثمين لنا وللمشاركين. أما بالنسبة للمشاركين، يجب أن نكون صادقين، أصبح ملء القاعات أصعب.
بعد الجائحة تغيرت ثقافة المؤتمرات، أصبح الوصول إلى المحتوى عبر الإنترنت أسهل، وارتفعت تكاليف السفر، وزادت أعباء العمل في العيادات. لم يعد المحتوى وحده كافياً لإبقاء الطبيب في القاعة يومين، بل يجب أن يكون هناك جو من التفاعل والطاقة الناتجة عن النقاشات الحية. نحن نحرص على ذلك، لكنه ليس سهلاً. أما دعم الرعاة فهو تحدٍ مزمن في كل مؤتمر.
الحفاظ على الاستقلالية العلمية مع الحصول على الدعم يتطلب توازناً دقيقاً. نحن نحرص على ذلك دائماً، لكن التغيرات في قطاع الأدوية والمعدات الطبية تجعل تمويل المؤتمرات أكثر تعقيداً، وهذا يشكل تحدياً مستمراً لنا. - ما هي المواضيع التي تناولتموها في مؤتمر 2026 بخصوص علاجات أطفال الأنابيب؟ وما أكثر القضايا التي أردتم فتح نقاشات وأسئلة جديدة حولها؟
كيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أحياناً صديقنا، مستشارنا، أو مساعدنا، في علاجات أطفال الأنابيب؟ - التحول في مجال الجينات مذهل حقاً. في الماضي، كان لدينا العديد من حالات الفشل المتكرر، الإجهاض المتكرر، وتوقف نمو الأجنة التي لم نتمكن من تفسيرها للمرضى. بعض الحالات التي كنا نعتبرها "بدون سبب" لم تكن كذلك، بل كانت أدواتنا آنذاك غير كافية.
اليوم، مع تطور اختبارات الجينات قبل الزرع، وتحول تسلسل الجينوم الكامل إلى أداة سريرية، بدأت بعض هذه النقاط المظلمة تتضح. لم نعد نقول للمرضى "لا نعرف"، بل نقدم تفسيرات ملموسة لبعض الحالات. هذا تغيير مهم لكل من الطبيب والمريض. أما بالنسبة للذكاء الاصطناعي والأتمتة، فإن مستقبل المختبرات بدأ يتشكل.
أنظمة اختيار الأجنة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التصوير المستمر داخل الحاضن، ومتابعة معايير مراقبة الجودة أصبحت أدوات قابلة للتطبيق وليست خيالية. السؤال الحقيقي هو: هل ستحل هذه الأنظمة محل خبرة الأخصائيين، أم ستعززها؟ نحن نؤمن بأن الخيار الثاني هو الصحيح، لكن يجب أن نضع معايير وتعليمات وأطر أخلاقية معاً.
- أسئلتي الأخيرة؛ ما الرسائل التي تعتقد أن زملاءكم سيأخذونها معهم بعد هذا المؤتمر ليعودوا بها إلى مرضاهم؟ وما هي المستجدات التي تزيد فرص الحمل للنساء والأزواج الراغبين في الإنجاب؟ شكراً جزيلاً على وقتكم.
- كل جلسة، نقاش، وسؤال في هذا المؤتمر يخدم هدفاً واحداً: أن نجري حواراً أكثر صدقاً وأملاً مع الزوجين اللذين يجلسان أمامنا في غرفة الفحص. وربما أهم رسالة هي: كل مريض مختلف. علاج جارك قد لا يناسبك. هدفنا الآن ليس تطبيق نفس البروتوكول على الجميع، بل رسم خارطة طريق خاصة بك وبحالتك.
قدرتنا على تحقيق ذلك تزداد عاماً بعد عام. هناك أمل، وهذا الأمل لم يعد مجرد حدس، بل يستند إلى بيانات. وهذه فرصتنا.