تبرز تركيا كواحدة من أكثر أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) أهمية منذ انضمامها إليه عام 1952. ووفقًا لتقييم مصادر وزارة الدفاع الوطني التركي لوكالة الأناضول، فإن أنقرة تتبوأ موقع الفاعل الاستراتيجي من خلال نموذج "إنتاج أمني" ديناميكي يتجاوز العضوية الثابتة داخل الناتو.
تشير مصادر الوزارة إلى أن التهديد الذي شكلته مطالب الاتحاد السوفيتي تجاه المضائق التركية والولايات الشرقية كان الأساس في انضمام تركيا إلى الناتو. فبعد اندلاع الحرب الكورية، كانت تركيا أول دولة تعرب عن نيتها إرسال قوات برية بعد الولايات المتحدة، استجابة لنداء الأمم المتحدة في 25 يوليو 1950.
مسيرة من الحرب الكورية إلى العضوية الرسمية
دفع نجاح القوات التركية في كوريا واشنطن إلى التحرك. فأرسلت الولايات المتحدة في 15 مايو 1951 رسالة إلى أعضاء الناتو الآخرين توصي فيها بقبول تركيا في الحلف. وفي اجتماع مجلس وزراء الناتو في أوتاوا بين 16 و20 سبتمبر من العام نفسه، اتخذ القرار بالإجماع بدعوة تركيا للانضمام إلى المنظمة.
وُقع بروتوكول الانضمام في 17 أكتوبر 1951. ودخل القانون رقم 5886 المتعلق بانضمام الجمهورية التركية إلى حلف شمال الأطلسي حيز التنفيذ في 18 فبراير 1952، لتصبح تركيا عضواً رسمياً في الناتو. وفي 1 مارس من العام نفسه، وفي إطار مؤتمر لشبونة، رفع العلم التركي في مقر القيادة العليا للقوات المتحالفة في أوروبا (SHAPE) التابعة للجنرال أيزنهاور، في حفل شارك فيه وزير الخارجية آنذاك فؤاد كوبريللي.
ثاني أكبر جيش ومجموعة واسعة من العمليات
تساهم تركيا، صاحبة ثاني أكبر جيش في الناتو، في مهام وعمليات الحلف في أفغانستان وكوسوفو والبوسنة والهرسك وليبيا والعراق. وعلى عكس العديد من الحلفاء الأوروبيين، حافظت تركيا على قدراتها العسكرية وزادتها بعد الحرب الباردة بسبب مكافحة الإرهاب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
شاركت تركيا في أفغانستان ضمن قوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) بين عامي 2002 و2014، ثم في بعثة الدعم الحازم (RSM) اعتباراً من عام 2015. وتولت الوحدة العسكرية التركية أمن مطار حامد كرزاي الدولي ضمن البعثة، وعادت إلى الوطن بعد إكمال مهمتها بنجاح عقب انتهاء عملية الناتو في 28 أغسطس 2021.
في العراق، انضمت وحدة تركية قوامها نحو 40 فرداً إلى بعثة الناتو (NMI) في عام 2018 لدعم تعزيز قدرات الجيش العراقي. وبعد الانسحاب الذي بدأ في مارس بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، تواصل تركيا المساهمة في استمرار البعثة بثلاثة أفراد ضمن الحد الأدنى من الكادر في نابولي.
انخراط تركيا في الناتو من البحار إلى البلقان
تعد القوات البحرية التركية الأكثر مساهمة بين 32 دولة حليفة في عملية حارس البحر (DMH) التي أطلقها الناتو في البحر المتوسط عام 2016. قادت تركيا مجموعة العمل البحرية الدائمة-2 خمس مرات، ومجموعة تدابير مكافحة الألغام الدائمة-2 سبع مرات حتى الآن. وجرت مهام القيادة الأخيرة خلال عام 2025.
تولت تركيا قيادة قوة كوسوفو (KFOR) للمرة الثانية منذ عام 2023، وساهمت في الاستقرار الإقليمي بإرسال كتيبة احتياط أربع مرات بعد أحداث عام 2022. وفي الوقت الحالي، يتم دعم عمليات مثل KFOR وحارس البحر ومكافحة الهجرة غير النظامية في بحر إيجة وقوة الرد السريع للحلفاء (ARF) وأنظمة الدفاع الجوي المتكاملة للناتو بنحو 3 آلاف جندي.
من المناورات إلى القفزة التكنولوجية
شاركت القوات المسلحة التركية في 34 مناورة للناتو في 2023، و39 في 2024، و50 في 2025. وأُقيمت مناورة (Steadfast Dart) في ألمانيا في الفترة من 12 إلى 24 فبراير من هذا العام، بمشاركة أكثر من 2000 فرد، بما في ذلك مجموعة مهام الأناضول بقيادة البحرية التركية. وخلال المناورة، أصابت طائرة (TB-3) بدون طيار -أقلعت من سفينة TCG Anadolu- الهدف بنجاح فوق بحر البلطيق. يُسجل هذا الحدث في المراجع العسكرية كأول مثال لمشاركة طائرة بدون طيار مقلعة من سفينة في مناورة بالذخيرة الحية.
تؤكد مصادر الوزارة أن أنظمة مثل "القبة الفولاذية" و"كاآن" و"ألتاي" لا تجعل تركيا مجرد دولة تعزز قدراتها الدفاعية الخاصة، بل تجعلها مشاركاً رئيسياً يساهم في التفوق التكنولوجي للناتو. فتركيا التي خصصت 2.33% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع في عام 2025، هي من بين الدول الأكثر تحملاً للمسؤوليات المالية والعسكرية داخل الحلف.
قمة تاريخية في أنقرة وقيادة قوة الرد السريع
يُنظر إلى استضافة أنقرة لقمة رؤساء دول وحكومات الناتو في 7-8 يوليو 2026 كمؤشر على الثقل الدبلوماسي والقيادة المعترف بها لتركيا داخل الحلف. ومن المتوقع أن تبرز في القمة دبلوماسية القيادة للرئيس رجب طيب أردوغان، والقوة العسكرية لتركيا ومساهماتها في الحلف.
ستتولى تركيا قيادة قوة الرد السريع للحلفاء (ARF)، وهي القوة الأكثر أهمية في الناتو، اعتباراً من عام 2028. وتُظهر تركيا بقدراتها في الذكاء الاصطناعي والدفاع السيبراني والفضاء كواحدة من الأعضاء الأسرع تكيفاً مع تصور التهديدات المتغير للحلف. وسيكون مركز التميز للأنظمة غير المأهولة، الذي بدأت أعمال تأسيسه في 30 أبريل 2024، ثالث مركز تميز للناتو تستضيفه تركيا.
مساهمة متعددة الأبعاد من البحر الأسود إلى أفريقيا
في إطار مفهوم "الردع والدفاع" للحلف، تعد تركيا واحدة من الحلفاء القلائل القادرين على إدارة قوات رد سريع على مستوى مسرح العمليات، إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا. وفي الوقت نفسه، قادت أنقرة إعادة تفعيل مكتب اتصال الناتو في مقر الاتحاد الأفريقي في 9 مارس 2022، وتقوم بمهام في جورجيا في مجال الأمن البحري والطيران، وفي الأردن نائباً لقائد المجموعة الرئيسية، وفي مولدوفا وموريتانيا والبوسنة والهرسك مستشاراً لبناء القدرات الدفاعية.
تذكر مصادر الوزارة أن تركيا تتبنى نهجاً "360 درجة" تجاه التهديدات، وتساهم في الاستقرار العالمي خارج حدودها الجغرافية، وتعمل كعنصر توازن يدير النزاعات بموقف متوازن وبناء وليس تصعيدياً في الأزمات الإقليمية. وقد تولت القوات البحرية التركية قيادة مجموعة مهام البحر الأسود في الفترة 2024-2028، وتتولى أيضاً مهام قيادة مجموعة مهام البرمائيات وقوات الإنزال ضمن قيادة المكون البحري لقوة الرد السريع للحلفاء للأعوام 2025-2026.