يبرز السوق المسقوف الواقع في المركز التاريخي لإسطنبول، بتاريخه الممتد لأكثر من خمسة قرون، ليس فقط كمنطقة تسوق، بل كمركز اقتصادي كبير يجمع التجارة والحرف اليدوية والسياحة تحت سقف واحد. ويحافظ السوق على حيويته المستمرة منذ قرون حتى اليوم.
يُعتبر السوق المسقوف الذي تأسس قبل نحو 550 عاماً أحد أقدم مراكز التجارة المنتظمة في العالم. ويواصل السوق كونه أحد أكثر النقاط التاريخية جذباً للزوار المحليين والأجانب في إسطنبول.
آلاف المتاجر وعشرات الآلاف من فرص العمل
يضم السوق 2550 متجراً. ويرتفع هذا العدد إلى نحو 4300 متجراً مع الخانات المحيطة به.
ينقل مسؤولو الإدارة أن السوق يستقبل في الأيام العادية ما بين 350 ألفاً و400 ألف زائر يومياً، ويرتفع هذا العدد في عطلات نهاية الأسبوع إلى ما بين 700 ألف و800 ألف. أما في فترات الأعياد فيصل عدد الزوار إلى ما بين 2.5 مليون و4 ملايين.
ويُشار إلى أن السوق المسقوف لا يقتصر على نقاط البيع فحسب، بل يخلق أيضاً شبكة توظيف واسعة. فبينما يوجد نحو 7500 مالك عقار في السوق، يعمل في كل متجر خمسة أشخاص في المتوسط، مما يوفر فرص عمل مباشرة لنحو 40 ألف شخص.
ويُسجل أن الحركة الاقتصادية في السوق تؤثر بشكل غير مباشر على دائرة أوسع بكثير، وتشكل مصدر دخل لمئات الآلاف من الأشخاص عند احتساب أسرهم.
الذهب والهدايا التذكارية والمنتجات اليدوية تتصدر المشهد
ويبدو أن مبيعات الذهب تحتل مكانة مهمة في السوق المسقوف. ويُذكر أنه إلى جانب المشتريات التي تبدأ من 10 غرامات، تُباع أيضاً سبائك تصل إلى 10 كيلوغرامات، وأن الأسعار غالباً ما تكون أكثر تنافسية مقارنة بمناطق أخرى.
السوق الذي كان في فترة ما مقصداً لسكان إسطنبول لتأسيس المنازل وتجهيز المهور، يبرز اليوم أكثر بهويته السياحية. وإلى جانب متاجر الذهب، تلفت الانتباه الهدايا التذكارية والسجاد والمنتجات المنسوجة يدوياً والمنسوجات ونقاط القهوة التقليدية.
ويُذكر أن الجزء الأكبر من منتجات السوق يُنتج في مناطق مختلفة من الأناضول، وأن الهدايا التذكارية اليدوية وأدوات الزينة تحظى باهتمام الزوار بشكل خاص.
قسم السقف المفتوح بعد الترميم يستقبل الزوار
كما أظهرت أعمال الترميم التي أجريت في السوق المسقوف خلال السنوات الأخيرة مناطق زيارة جديدة. فقد غطت الأعمال التي بدأت قبل نحو ست سنوات مساحة 44 ألف متر مربع، وتم تنظيم قسم السقف بالكامل وفتحه للزوار.
ويُذكر أنه يتم اصطحاب نحو 300 شخص يومياً إلى السقف في مجموعات صغيرة، ويرافق الزوار مرشدون وحراس أمن. ويستطيع الزوار من الأعلى مشاهدة الممرات التاريخية وتصوير المنظر الممتد إلى مسجدي نور عثمانية وبيازيد.
وتفيد إدارة السوق بأنها تستخدم نظاماً متطوراً من الناحية الأمنية، وأنه تم إنشاء نظام مدعوم بأجهزة استشعار بسبب متاجر الذهب ومكاتب الصرافة. ويوجد في السوق المسقوف 23 باباً، يُستخدم 21 منها بشكل نشط. وتُفتح الأبواب الرئيسية للتجار في الساعة 07:30 صباحاً، وللزوار في الساعة 08:30.
تقليد متوارث من العهد العثماني لا يزال مستمراً حتى اليوم
من أبرز العناصر التاريخية في السوق مراسم الدعاء المعروفة باسم "تقليد الأخية". ويُذكر أن هذه الطقوس التي يجتمع فيها التجار قبل فتح متاجرهم مستمرة منذ العهد العثماني.
ويُنقل أن هذا التقليد يشير أيضاً إلى تعايش تاريخي كان يضم في وقت ما تجاراً سرياناً وأرمنًا ويهوداً ورومًا ومسلمين ضمن نفس النظام التجاري. ويُذكر أنه في أيام الجمعة يُدعى بالبركة في التجارة عبر الدعاء الجماعي، وأن هذه الممارسة لا تزال مستمرة حتى اليوم.
كما تعمل الإدارة على عمل فني جديد يعكس مشهد الدعاء وثقافة التجارة التقليدية. ويهدف المشروع إلى إتاحة الفرصة للزوار للاطلاع على خلفية هذا التقليد التاريخي عبر رمز الاستجابة السريعة (QR).
خزف إزنيق يجذب اهتمام الزوار أيضاً
تبرز خزفيات إزنيق كواحدة من أكثر مجموعات المنتجات جذباً للاهتمام في السوق المسقوف. وتعد المنتجات اليدوية التقليدية مثل المزهريات والأطباق من بين أبرز القطع التي تلفت انتباه السياح القادمين إلى السوق.
يعبر جزء من الزوار عن إعجابهم بهيكلية السوق التي تقدم التاريخ العثماني والمطبخ التركي والحرف اليدوية معاً. ويظهر هذا المشهد أن السوق المسقوف ليس مجرد مكان للتسوق، بل مركز حيوي يحمل ذاكرة إسطنبول التاريخية.