تحولت الشاشات المؤقتة التي أقيمت بين أنقاض الحرب في غزة إلى ملاذ للفلسطينيين الراغبين في مشاهدة مباريات كأس العالم. وتكتظ أنقاض المباني المدمرة والخيام والأزقة الضيقة بمئات الأشخاص المتجمعين حول الشاشات العملاقة.
قال أحمد حلاوة (23 عامًا) لصحيفة فاينانشال تايمز: "من المستحيل بالطبع نسيان الحرب تمامًا، لكن مشاهدة كرة القدم معًا تساعدنا في التغلب على الألم وتمنحنا بعض الراحة ولو لوقت قصير". أما براء القيسي (18 عامًا) فيرى أن البطولة فرصة للهروب من الواقع القاسي وتفريغ المشاعر المكبوتة.
شاشات عملاقة بين الأنقاض
رغم انقطاع الكهرباء وتدمير البنية التحتية، قامت لجنة الإغاثة المصرية بتركيب شاشات مجانية في الشوارع، بينما أقامت المتاجر الكبرى ومحلات الهواتف المحمولة شاشات خارجية بمولداتها الخاصة. وقال سعيد أبو عون من مدينة غزة لصحيفة فاينانشال تايمز إن علمي مصر والمغرب كانا يرفرفان على هذه الشاشات.
بينما يتجمع الرجال والشباب في الأماكن العامة، تتابع النساء المباريات في المنازل المتضررة أو في تجمعات خاصة. وأكد مصطفى جابر، الصحفي الرياضي في غزة، أن كرة القدم جزء من الحياة اليومية، لكن كأس العالم هذه المرة تكتسب أهمية خاصة لأنها تمنح السكان بضع ساعات من الراحة النفسية.
دعم كبير للفرق العربية
عاش نحو 2.1 مليون شخص في غزة حالة من الحماس الكبير، خاصة مع الأداء الناجح للفرق العربية مثل مصر والمغرب. فقد أثار تأهل مصر إلى دور الـ16 لأول مرة في تاريخها موجة فخر عارمة. وقال مصطفى جابر إن الحشد الذي تابع مباراة مصر والأرجنتين كان أكبر حتى من المباريات التي يشهدها المنتخب الفلسطيني.
وتسبب خروج مصر بعد الخسارة أمام الأرجنتين 3-2 في خيبة أمل في غزة مماثلة لتلك التي سادت مصر. وأعرب محمد أبو عون عن حزنه قائلاً: "سأدعم فرنسا الآن مضطرًا، لأنهم الفريق الوحيد القادر على هزيمة الأرجنتين". في المقابل، زاد تأهل المغرب إلى ربع النهائي من دعم "أسود الأطلس".
قمصان وأعلام: رسائل سياسية
يرتبط دعم كرة القدم في غزة ارتباطًا وثيقًا بدعم القضية الفلسطينية. وقد لاقى تجول المدير الفني المصري حسام حسن في أرض الملعب حاملاً العلم الفلسطيني بعد الفوز على أستراليا تقديرًا كبيرًا في غزة. وقال المحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن هذه اللفتة "خلقت مساحة حقيقية للفرح وأظهرت أن غزة ليست منعزلة عن العالم العربي".
كما اكتسبت إسبانيا شعبية في غزة بسبب انتقاداتها اللاذعة لإسرائيل واعترافها الرسمي بفلسطين عام 2024. وأشارت الصحفية الرياضية لينا المصري إلى أن الموقف السياسي لمدريد زاد من التعاطف مع المنتخب الإسباني.
الرياضة في ظل الحرب
رغم إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، ما زالت الغارات الجوية الإسرائيلية مستمرة ولم تبدأ عملية إعادة الإعمار. وقُتل محمد الوحيدي، الذي كان يدير تنظيم الشاشات لصالح لجنة الإغاثة المصرية، في غارة جوية استهدفت سيارة أجرة قبل مباراة مصر والأرجنتين. وفي الغارة نفسها، قُتل الشقيقان حمزة (10 أعوام) وفادي (8 أعوام).
وقال مصطفى صيام، الأمين العام لاتحاد الإعلام الرياضي الفلسطيني، في تصريح لوكالة الأناضول، إن نحو 285 منشأة رياضية في غزة دُمرت أو تضررت، وإن أكثر من 500 رياضي قُتلوا. أما الملاعب التي ما زالت قائمة فقد تحولت إلى مخيمات تؤوي الأسر المشردة.
وأضاف الصحفي مصطفى جابر: "يعتقد كثيرون في الخارج أن الحرب في غزة انتهت، لكن الواقع مختلف تمامًا؛ فالغارات الجوية ما زالت تضرب مناطق عديدة"، مشيرًا إلى أن مباريات كرة القدم التي تستمر 90 دقيقة هي المساحة الاستثنائية الوحيدة التي يدافع فيها الفلسطينيون عن حقهم في الحياة.