انعقدت في منتدى إسطنبول الاقتصادي الذي أقيم في مركز إسطنبول المالي جلسة بعنوان "الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي: الفرص والمخاطر". وأدارت الجلسة نائبة محافظ البنك المركزي لجمهورية تركيا حاتجة كاراهان، بمشاركة محافظي بنوك مركزية وصانعي سياسات رفيعي المستوى من دول مختلفة حول العالم.
وقالت كاراهان إن الاقتصاد العالمي واجه خلال السنوات العشر الماضية صدمات مختلفة، إلى جانب تراجع مستمر في النمو المحتمل. وأشارت إلى أن النقاش يتزايد حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على عكس هذا الاتجاه، وكيف سيؤثر في السياسة النقدية والبنوك المركزية.
وأوضحت كاراهان أن من المرجح أن يؤثر الذكاء الاصطناعي في السياسة النقدية عبر قنوات مختلفة، مشيرة إلى أن ظهور الآثار الحقيقية للتكنولوجيا يحتاج إلى وقت. ووصفت الذكاء الاصطناعي بأنه أداة استراتيجية للاقتصادات، وقالت إن الابتكارات واسعة النطاق تجلب فرصاً مهمة إلى جانب تحديات خطيرة.
كاراهان: ينبغي مراعاة المصلحة العامة
وقالت كاراهان إن البنوك المركزية ستواجه تحديات جديدة في مجال السياسة النقدية، وإنه ينبغي الاستفادة من المزايا التي يوفرها الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي المركزي. وأضافت أن البنك المركزي التركي يضم لجنة معنية بالذكاء الاصطناعي، وأن مشاريع مختلفة تُنفذ بقيادة هذه اللجنة.
وشددت كاراهان على ضرورة أن تضطلع البنوك المركزية بدور رائد في وضع معايير مسؤولة للذكاء الاصطناعي في القطاع المالي، وأن تضمن خدمة أنظمة الذكاء الاصطناعي للمصلحة العامة. وأشارت إلى أن الأطر التنظيمية قد تواجه صعوبة في مواكبة سرعة تطور الذكاء الاصطناعي.
وأشارت كاراهان إلى أهمية حماية مجموعات البيانات الحساسة، وقالت إنه ينبغي الاستفادة من الذكاء الاصطناعي من دون تعريض معلومات مثل بيانات البنك المركزي وإجابات الأسر في الاستطلاعات للخطر. وذكرت أن موثوقية منظومات الدفع وأمنها أمران بالغا الأهمية، معربة عن اعتقادها بأن إجراء المدفوعات عبر الذكاء الاصطناعي قد يكون المرحلة التالية.
وقالت كاراهان إن العالم يدخل مرحلة يستطيع فيها وكلاء الذكاء الاصطناعي تخطيط المدفوعات وبدءها ضمن الصلاحيات المفوضة إليهم، مشيرة إلى أن هذا التطور سيخلق فرصاً إلى جانب تحديات جديدة.
تحذير للبنوك بشأن الأمن السيبراني
وقال رئيس سلطة النقد في هونغ كونغ إيدي يوي إن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر إيجاباً في النمو الدوري على المدى القصير، لكن آثاره الهيكلية طويلة الأجل لا تزال غير واضحة. ولفت يوي إلى الفوائد الناتجة عن تجارة المنتجات الإلكترونية المصنعة في آسيا، مشيراً إلى أن النشاط في مجال الذكاء الاصطناعي زاد أرقام الصادرات.
وأوضح يوي أن الأتمتة قد تزيد الإنتاجية والنمو على المدى الطويل، مشدداً على أن مدى استفادة الاقتصادات منها يعتمد على مستوى استعدادها للذكاء الاصطناعي. وقال إن إحلال القوة العاملة قد يؤثر في الطلب والاستهلاك، داعياً إلى تنفيذ سياسات المالية العامة والتعليم والتوظيف بصورة أكثر تنسيقاً.
وقال يوي إن معظم البنوك في هونغ كونغ تختبر الذكاء الاصطناعي التوليدي، مشيراً إلى أن التكيف السريع يزيد مخاطر الهجمات السيبرانية والاعتماد على مزودي الخدمات من الأطراف الثالثة. وأكد ضرورة بقاء الرقابة والمسؤولية النهائية بيد الإنسان، داعياً البنوك إلى تسريع استعداداتها لمواجهة التقنيات القادرة على اتخاذ قرارات ذاتية والتي قد تهدد جدران الحماية السيبرانية.
نهج هجين في العمل المصرفي المركزي
وقالت رئيسة البنك المركزي للبوسنة والهرسك جاسمنيا سيلموفيتش إن السؤال الأساسي المتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي المركزي هو ما إذا كان الخطر الأكبر يكمن في الاستفادة من التكنولوجيا أم في عدم فهمها على نحو صحيح وفي الوقت المناسب. وأشارت سيلموفيتش إلى أن العمل المصرفي المركزي يقف أمام نقطة تحول كبيرة بشأن الذكاء الاصطناعي.
وأوضحت سيلموفيتش أنه لا يمكن تقييم فوائد الذكاء الاصطناعي ومخاطره بصورة منفصلة، وقالت إن قدرته على معالجة أعداد كبيرة من البيانات غير المهيكلة بسرعة عالية تمثل ميزة مهمة. لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى مشكلات تتمثل في احتمال إنتاج الذكاء الاصطناعي نتائج خاطئة أو غير حقيقية، ونقله التحيزات الراسخة.
وقالت سيلموفيتش إن الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه في التحليل الاقتصادي، كما يمكن أن يساعد في أنظمة الدفع والرقابة على تحديد الحالات الشاذة التي تعجز الأنظمة القائمة على القواعد عن اكتشافها. وأضافت أن البنك المركزي للبوسنة والهرسك شكّل في نهاية عام 2025 فريقاً متعدد التخصصات للذكاء الاصطناعي يضم موظفين من وحدات مختلفة.
وأوضحت سيلموفيتش أنهم اعتمدوا نهجاً هجيناً بدلاً من إحلال الذكاء الاصطناعي بالكامل محل النماذج الاقتصادية القياسية التقليدية، مشيرة إلى أن مخرجات الذكاء الاصطناعي تُقارن بالنتائج المستخلصة باستخدام الأساليب التقليدية. وقالت إن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يُستخدم لتعميق التحليلات في عمليات المراجعة واتخاذ القرار، لا للتفكير أو اتخاذ القرارات بدلاً من البشر.
منصة CBU-GPT في أوزبكستان
وقال نائب محافظ البنك المركزي لجمهورية أوزبكستان نوديربيك أشيلوف إن الذكاء الاصطناعي يغير البيئة التي تنشط فيها الجهات الاقتصادية بما يتيح لها التكيف بسرعة أكبر مع تغيرات الأسعار. وأشار أشيلوف إلى أن الشركات الكبرى وشركات التكنولوجيا المالية أصبحت أكثر حساسية للتغيرات في السياسات الاقتصادية والصدمات الكبيرة، مضيفاً أن النماذج التحليلية القائمة على الذكاء الاصطناعي تطور استجابات هذه الجهات وسلوكها في التسعير.
وأوضح أشيلوف أن استثمارات الذكاء الاصطناعي قد تؤثر في الأسعار على المدى القصير بدافع الطلب، لكن تأثيرها في الإنتاجية لا يزال غير معروف بالكامل، مؤكداً ضرورة استعداد البنوك المركزية لهذا التغيير.
وأعلن أشيلوف أن البنك المركزي الأوزبكي استثمر في القدرة الحاسوبية وخوادم البنية التحتية، كما طور منصة باسم "CBU-GPT". وقال إن المنصة تساعد في عمليات جمع البيانات وتحليلها ضمن أبحاث السياسة النقدية، مضيفاً أن البنك يستخدم 150 وكيلاً اصطناعياً.
وأوضح أشيلوف أن هذه الوكلاء تُغذى ببيانات مختلفة، ويمكنها معالجة مجموعات البيانات وتدفقات الأخبار الواردة من مصادر متعددة، مشيراً إلى أن النظام يقدم كل شهر توقعات بشأن توقعات التضخم. وأضاف أن العمل مستمر أيضاً على تطوير وكلاء ذكاء اصطناعي إقليميين لكل واحدة من مناطق أوزبكستان الـ14.