اختُتمت قمة رؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة بعد يومين من الاجتماعات. وانعقدت القمة في ظل الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ ثلاثة أشهر، والانتقادات الحادة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحلفاء، والمخاوف المتزايدة في أوروبا من القدرات العسكرية الروسية، وتصدرت ميزانيات الدفاع ودعم أوكرانيا جدول الأعمال.
الاتفاق مع إيران 'انتهى'
جاءت إحدى أكثر لحظات القمة أهمية بعد الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة على إيران صباح الأربعاء. وأعلن ترامب أن مذكرة التفاهم الموقعة مع طهران 'انتهت'، ووصف النظام الإيراني بأنهم 'أناس مرضى'. وقال ترامب: 'إنهم أناس قساة وعنيفون، ولو كانوا يمتلكون أسلحة نووية لاستخدموها. برأيي، انتهى هذا الأمر'.
غير أن ترامب قال في تصريح أخير للصحفيين في وقت لاحق من اليوم إنه لا يعتقد أن الحرب ستستأنف، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى صراع 'طويل الأمد'. ودافع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته عن الغارات قائلاً إنها 'ضرورية للغاية'، وزعم أن إيران انتهكت وقف إطلاق النار. وأضاف روته: 'إيران تنتهك وقف إطلاق النار بشكل أساسي. رأينا الهجمات على السفن أمس. أعتقد أنه كان من الحيوي أن ترد الولايات المتحدة بقوة'.
ودعا البيان الختامي للناتو إيران إلى احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز، وكرر التأكيد على أنه لن يُسمح لطهران بامتلاك أسلحة نووية.
زيادة الإنفاق الدفاعي
تحت ضغط متزايد من ترامب، اتفق قادة الناتو على زيادة الإنفاق الدفاعي وتطوير القدرات الصناعية العسكرية للحلف. وتضمن البيان تعهداً بـ'مشتريات جديدة تتجاوز 50 مليار دولار'، مع التركيز على قدرات الضرب الدقيق العميق، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والأنظمة غير المأهولة، والتكنولوجيا المتقدمة، وقدرات الاستخبارات. كما أُدرج ضمن الأهداف 'اعتماد سحابة قتالية عبر الأطلسي قابلة للتشغيل البيني ونماذج ذكاء اصطناعي قوية'.
وبحسب بيانات الناتو، من المتوقع أن تحقق خمس دول فقط من أصل 32 عضواً هدف تخصيص 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي الأساسي في عام 2026. وكان الأعضاء قد وافقوا في قمة لاهاي العام الماضي على رفع الإنفاق الأساسي من 2% إلى 3.5%، وقرروا أيضاً تخصيص 1.5% إضافية من الناتج المحلي الإجمالي لاستثمارات دفاعية أوسع. ومن المتوقع أن تحقق 17 دولة هدف 1.5%. وارتفع متوسط الإنفاق الدفاعي الأساسي في دول الناتو بأوروبا وكندا من 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 2.53% حتى الآن في 2026، بينما تبلغ نسبة الولايات المتحدة 3.17%.
وقال ترامب في ختام القمة إن بعض الدول 'أحرزت تقدماً كبيراً'، وأضاف: 'معظم هذه الدول غنية جداً بالمناسبة، لا داعي لأن نشعر بالأسف عليها'، مشيراً إلى أن قلة منها 'لبت النداء فعلاً'.
70 مليار يورو لأوكرانيا
أجرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقاءات مكثفة يومي الثلاثاء والأربعاء لحشد الدعم لبلده غير العضو في الناتو. وخصص الحلف جزءاً كبيراً من بيانه الختامي لأوكرانيا والتهديد الذي تشكله روسيا، وتعهد بتقديم 70 مليار يورو (80 مليار دولار) لكييف تشمل معدات عسكرية ومساعدات وتدريباً، وأكد 'التزامات سيادية بالحفاظ على مستويات مماثلة على الأقل في عام 2027'.
وسادت أجواء إيجابية بين زيلينسكي وترامب على هامش القمة. وأعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستمنح أوكرانيا حق إنتاج أنظمة صواريخ باتريوت. وقال ترامب: 'سنريهم كيف يصنعونها. أعتقد أنهم يستطيعون إنتاجها بسرعة كبيرة'، واعتُبرت هذه الخطوة مكسباً كبيراً لكييف. وعبر زيلينسكي عن امتنانه في منشور على منصة إكس بعد اللقاء، قائلاً: 'تحدثنا عن بعض الأفكار التي يمكن أن تعزز مواقفنا وتقرب السلام'. وأضاف زيلينسكي أنه وقع اتفاقيات ثنائية بشأن الطائرات المسيرة مع عدة دول، وأن اتفاقيات أخرى في الطريق.
تجدد التوتر بشأن غرينلاند
بدا أن الحرب على إيران طغت مؤقتاً على رغبة ترامب في الاستحواذ على غرينلاند، لكن الرئيس الأمريكي أعاد طرح القضية خلال القمة. وزعم ترامب أن غرينلاند 'مهمة جداً' للولايات المتحدة لكنها ليست مهمة للدنمارك، وقال: 'في الواقع، عندما غزا النازيون الدنمارك في يوم واحد، طلبوا منا حماية غرينلاند. استولينا عليها ثم أعدناها بحماقة'.
وكررت رئيسة وزراء الدنمارك مته فريدريكسن مراراً أن غرينلاند ليست للبيع، وأكدت: 'نحن مستعدون للدفاع عن كل شبر من أراضي الناتو، بما في ذلك أراضينا'. وشدد الاتحاد الأوروبي على أن 'القرارات المتعلقة بمستقبل غرينلاند تعود لسكان غرينلاند والدنمارك'، مؤكداً أن السلامة الإقليمية والسيادة الوطنية وحرمة الحدود مبادئ أساسية في القانون الدولي. ورغم ذلك، قال روته إن ترامب 'محق' بشأن سعي الصين وروسيا المتزايد للنفوذ في القطب الشمالي.
ترامب ينتقد الحلفاء بسبب إيران
أثنى ترامب على الرئيس المضيف رجب طيب أردوغان، لكنه وجه انتقادات لاذعة للحلفاء في معظم جلساته أمام الصحافة، متهماً إياهم بعدم المساعدة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وقال ترامب للصحفيين قبل الجلسة الرئيسية يوم الأربعاء: 'أنا غاضب جداً من الناتو'، زاعماً أن الأعضاء 'لا يريدون مساعدتنا بشأن إيران، الراعي الأول للإرهاب في العالم'.
ووصف ترامب إسبانيا بأنها 'قضية خاسرة'، وكشف أنه أمر وزير الخزانة بقطع العلاقات التجارية، قائلاً إن مدريد 'سيئة للغاية'. وعلى عكس إسبانيا التي لم تسمح لواشنطن باستخدام قواعدها في العمليات ضد إيران، كانت بريطانيا قد منحت الولايات المتحدة في مارس/آذار إذناً باستخدام قواعدها في إطار الدفاع الجماعي المشروع عن المنطقة. لكن بعد أن أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مراراً أن بلاده لن تُجر إلى الحرب، وصف ترامب نهج لندن بأنه 'غريب'، وقال: 'هذا لا يتوافق مع روح ونستون تشرشل'.