قالت مصادر إقليمية لرويترز إن الدول العربية الخليجية باتت، مع تجدد تصاعد حرب إيران، تراهن على النفوذ الاقتصادي لبكين أكثر من واشنطن لضمان أمن مضيق هرمز والبحر الأحمر. ويختبر هذا التوجه استعداد الصين وقدرتها على ممارسة الضغط على طهران.
وقالت ثلاثة مصادر إقليمية إن دول الخليج طلبت المساعدة من بكين بعدما هددت إيران وحلفاؤها باب المندب في البحر الأحمر ومضيق هرمز. وتشير المصادر إلى أن الحرب كشفت حدود القوة الأمريكية.
وأجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي عشرات الاتصالات والاجتماعات سعياً إلى التوصل لوقف جديد لإطلاق النار، فيما أجرى المبعوث الخاص تشاي جون اتصالات في عواصم خليجية وطهران. وقالت وزارة الخارجية الصينية، رداً على طلب للتعليق على الموضوع: «واصلت الصين اتصالاتها الوثيقة مع جميع الأطراف، وعملت باستمرار على وقف النزاعات وتعزيز السلام».
ويتيح كون الصين مشترياً كبيراً للنفط من الخليج وإيران، وشريك طهران التجاري الأكبر، فرصاً، لكنه يفرض في الوقت نفسه حساسيات. وقال مصدر خليجي: «هناك احترام كبير بين الخليج والصين، وهما شريكان تجاريان كبيران، ولذلك يُطرح كل موضوع بهدوء شديد».
سياسة الصين في الشرق الأوسط تقيدها منافسة القوى الكبرى
طورت الصين، منذ القمة الخليجية الصينية عام 2022، روابط تجارية واستثمارية وثيقة مع الأعضاء الستة في مجلس التعاون الخليجي، وهم البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة. لكن بكين تجنبت التشكيك علناً في تهديدات طهران للملاحة البحرية، ما زاد الشكوك بشأن مدى استعداد الصين للذهاب بعيداً من أجل تأمين الخليج وصادراتها.
وقال مصدر خليجي ثانٍ: «يحاول الصينيون الانخراط بصورة أكبر، ويحاولون تقديم مزيد من المساعدة». وأضاف: «لكن اتضح أن الصين ليست مؤثرة بالقدر الذي كنا نعتقده. ويبقى النقاش قائماً حول ما إذا كان ذلك ناتجاً عن نقص في الإرادة أم نقص في القدرة. ويبدو أنه عندما تتدخل أمريكا، تتقدم حسابات القوى العظمى على كل شيء».
وقال هنري توغندهات، الخبير في الشؤون الصينية لدى معهد واشنطن، لرويترز إن الأولوية الأهم لبكين تتمثل بوضوح في الحفاظ على علاقاتها في أنحاء المنطقة بدلاً من المخاطرة دبلوماسياً عبر الانحياز إلى طرف بعينه. وأضاف أن حسابات بكين، بعد انخراط واشنطن مباشرة، تجاوزت الخليج لتشمل أيضاً علاقاتها الأوسع مع الولايات المتحدة ومنافستها لها.
وقال مصدر مطلع مباشرة على المحادثات مع الصين: «يمكن لحكومات الخليج شراء التكنولوجيا والاستثمارات والطائرات المسيّرة الصينية، لكنها لا تستطيع شراء نفوذ صيني يعمل بصورة مستقلة عن علاقاتها بواشنطن».
الصين ودول أخرى توازن بين مصالحها
استخدمت الصين روابطها الاقتصادية العميقة ورقةً لتوسيع نطاقها إلى دبلوماسية الشرق الأوسط، وكانت قد توسطت عام 2023 في تقارب دبلوماسي مفاجئ بين السعودية وإيران. ويخضع هذا المسار للاختبار الآن. وفي الوقت نفسه، تضغط بكين على باكستان للوساطة من أجل استئناف محادثات السلام بين واشنطن وطهران.
ومن جهة أخرى، أجرت الصين محادثات مباشرة مع الحوثيين في اليمن لضمان مرور ناقلاتها من جنوب البحر الأحمر من دون التعرض لهجمات، رداً على تهديد الحوثيين المتحالفين مع إيران بمنع الوصول إلى الموانئ السعودية. وأكدت ستة مصادر مطلعة على الموضوع هذه المعلومات لرويترز هذا الأسبوع، فيما لم ترد وزارة النقل الصينية على طلب للتعليق.
وقالت آنا بورشيفسكايا من معهد واشنطن إن الترتيبات الثنائية المحدودة التي تحمي الملاحة المرتبطة بالصين تمثل النتيجة الدبلوماسية الوحيدة الواضحة حتى الآن للجهود المبذولة، مضيفة: «يصعب معرفة ما الذي تمكنت الصين من تحقيقه، أو ما الذي كانت مستعدة لتحقيقه، خارج ذلك». وأضافت أن الحرب تتيح للصين حماية مصالحها، بينما تزيد في الوقت نفسه الضغوط الانتخابية على القادة الأمريكيين والأوروبيين عبر رفع أسعار الطاقة.
وعلى خلاف الولايات المتحدة، لا تملك الصين التزاماً دفاعياً في الخليج، ولا تفويضاً عسكرياً لحماية الممرات المائية الإقليمية، ولا رغبة في تولي هذه المهمة. وتقول بكين إنها ليست مستعدة لاستخدام القوة العسكرية لإعادة فتح مضيق هرمز، ولا تعتقد أن الأطراف الأخرى قادرة على فعل ذلك. وبدلاً من ذلك، تدعو إلى الدبلوماسية والحوار من أجل أمن الممرات البحرية الدولية.
وقال مصدر مطلع مباشرة على المحادثات مع الصين إن التفاهم العملي بين بكين والحوثيين جعل السفن المرتبطة بالصين بمنأى عن الأضرار إلى حد كبير، لكنه لم يخلق ضغطاً ينهي جميع الهجمات؛ وهو نهج يشبه الموقف الذي أبدته الصين خلال هجمات الحوثيين على السفن في عامي 2023 و2024.