• BIST10012,151
    ‎-0.94‎%‎
  • الدولار49.22
    0.00‎%‎
  • اليورو55.21
    ‎+0.28‎%‎
  • الذهب4,195.70
    ‎-0.49‎%‎
  • الفائدة37.00‎%‎
    ‎-1.00
  • البيتكوين82,434
    ‎-1.48‎%‎
  • 12 أكتوبر 202619°
  • BIST10012,151
    ‎-0.94‎%‎
  • الدولار49.22
    0.00‎%‎
  • اليورو55.21
    ‎+0.28‎%‎
  • الذهب4,195.70
    ‎-0.49‎%‎
  • الفائدة37.00‎%‎
    ‎-1.00
  • البيتكوين82,434
    ‎-1.48‎%‎
  • 12 أكتوبر 202619°
عرض المزيد

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لقناة NTV: تحالف مكة وغزة والبحر الأسود وصواريخ إس-400

تاريخ النشر: 23‏/9‏/2026 المحاور: NTV
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لقناة NTV: تحالف مكة وغزة والبحر الأسود وصواريخ إس-400

أجاب وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن أسئلة قناة NTV في 19 سبتمبر/أيلول 2026. وتناول فيدان زيارته إلى دمشق، واندماج "قسد"، وسياسات حكومة نتنياهو، وهجمات الحوثيين على السعودية، ومأسسة تحالف مكة، والوضع في غزة، والمفاوضات الإيرانية الأمريكية، وشحنات الحبوب في البحر الأسود، واليونان، والجمعية العامة للأمم المتحدة، وعقوبات "كاتسا" وصواريخ إس-400، ومسار "تركيا خالية من الإرهاب"، والذكاء الاصطناعي.

زيارة دمشق وسوريا

شرّفتم برنامجنا.

بالطبع كانت لكم هذا الأسبوع زيارات مهمة. لدينا عناوين كثيرة، لكننا نودّ أن نبدأ بزيارة دمشق، بأجندة زيارتكم إلى سوريا… أجريتم محادثات مع الشرع. ما القضايا التي تناولتموها، وما العناوين التي كانت على الطاولة؟ فبحسب ملاحظاتي، أُعلن عن بقاء اللغة التركية في المناهج لغةً اختيارية نتيجةً ملموسة للزيارة. ما القضايا الأخرى التي كانت على الطاولة؟

في الواقع، ومنذ ديسمبر/كانون الأول 2024 كما تعلمون، هناك ملفات كثيرة يجب أن نعمل عليها على الطاولة مع سوريا الجديدة. ولا سيما عناوين عديدة مثل إعادة إعمار سوريا، ووحدتها وسلامة أراضيها، والتعاون مع دول المنطقة، ورفع بعض المشكلات القائمة في النظام الدولي. ومكافحة داعش، ومكافحة الإرهاب… وكل هذا بالطبع يحتاج إلى مراجعة دورية. لقد كلّفنا رئيسا البلدين، بصفتنا وزيرَي خارجية، بتأسيس "مجموعة التخطيط المشترك". وفي هذا الإطار علينا أن نتابع عن كثب عدداً كبيراً من الأعمال والقضايا والمشاريع الجارية بين الدولتين. ولذلك نحن بحاجة إلى الاجتماع باستمرار. والحمد لله، سوريا تتحسن يوماً بعد يوم، وهذا أمر مهم بالنسبة لنا. كما تعلمون، لدينا مع سوريا حدود بطول 911 كيلومتراً. وكل ما يحدث في سوريا والعراق يؤثر مباشرة في تركيا. لذلك فإن الاستقرار والسلام والطمأنينة والتنمية هناك مهمة لنا أيضاً. وقد راجعتُ هذه القضايا مجدداً مع السيد الشرع، وكانت هناك رسائل من رئيسنا فنقلتُها إليه.

وكما تعلمون، جاء السيد الشرع إلى أنقرة على هامش قمة الناتو والتقى رئيسنا هناك. وكانت هناك مسائل تقرّر متابعتها، فأُتيحت لنا الفرصة لتبادل وجهات النظر حولها مجدداً. وتحدثنا في قضايا كثيرة، من بينها الاستقرار الإقليمي والمخاطر ومسار الاندماج في البلاد ومكافحة الإرهاب.

اندماج "قسد"

معالي الوزير، ذكرتم الاندماج. لقد حلّت "قسد" نفسها، ثم جرت محادثات وتم الوصول إلى مرحلة مهمة. لا بد أن لديكم انطباعات حول ذلك. ماذا يمكنكم أن تقولوا عن مسار الاندماج؟

في الوقت الحالي، بطبيعة الحال، تكتسب التصريحات الصادرة والنوايا التي تكشفها مواقف الأطراف أهمية بالغة. في الحقيقة نرى لدى الأطراف رغبة في المضي بالمسار بصورة منضبطة. وبصراحة نحن نرحّب بذلك وندعمه، وهذه نقطة مهمة.

ومن جهة أخرى، وإلى أن تتحقق جميع الشروط ويكتمل المسار، علينا بالطبع أن نتابعه بدقة كبيرة. نحن على تواصل وثيق خصوصاً مع إخوتنا السوريين، مع المؤسسات الأمنية والاستخباراتية هناك… أي: كيف يسير المسار، هل يسير جيداً، هل هناك مخاطر، وكيف تُدار هذه المخاطر؟ هذه بالطبع مسائل نتابعها نحن ومؤسساتنا الأخرى عن كثب. لكن كما قلت، التصريحات الصادرة حالياً جيدة. ويجب أن تتبعها خطوات عملية أيضاً، ونحن نتابع ذلك عن كثب.

نتنياهو وإسرائيل

معالي الوزير، نودّ أيضاً الحديث عن عدوانية نتنياهو في المنطقة قبيل الانتخابات. لقد صعّد بشدة خطابه المعادي لتركيا. ما الذي يهدف إليه نتنياهو هنا؟

كما قلنا من قبل، يسعى نتنياهو حالياً إلى تعزيز موقعه السياسي الداخلي، وإعلان نفسه شخصاً لا غنى عنه، والاستمرار في السلطة. ومعاداة تركيا، وتقديم تركيا على أنها "تهديد"، هي بصراحة نتاج لذلك، ونحن نرى هذا بوضوح شديد. لكننا في الوقت نفسه لا نستخف به؛ فالأقوال والمواقف المطروحة هنا مسائل نتابعها عن كثب. ونتابع عن كثب خصوصاً تعاونه العسكري مع دول المنطقة. ويُؤمَل بالطبع أن تتبنى إسرائيل سياسة خارجية قائمة على السلام والاحترام والتعاون، بما يخدم مصلحتها ومصلحة المنطقة. وإلا فإنها لن تزداد عزلة فحسب، بل ستدفع هي نفسها الثمن مع المنطقة؛ هذا هو المسار الذي نحن فيه. نرى ذلك بوضوح تام، وندرك كل التفاصيل. ونرى أيضاً سعيها، بعد لبنان وفلسطين، إلى جعل سوريا ساحةً لإثبات أنها لا غنى عنها. ونرى بوضوح نيّتها افتعال مشكلة هناك، وتحويلها إلى مشكلة حادة ودائمة، وإيصال رسالة إلى مجتمعها مفادها: "هنا مشكلة خطيرة، ومن دوني لا يمكن حلّها".

ولذلك، وكما قال رئيسنا مراراً، تركيا دولة تتصرف بحكمة، وليست دولة تنجرّ إلى مثل هذه الاستفزازات والتحريضات الرخيصة. نحن نعرف موقفنا الاستراتيجي جيداً، ونحسب حساباتنا جيداً، ولا نتحرك أبداً بمفردنا. لدينا شركاء في المنطقة، وهناك دول أخرى. لأن إسرائيل بسياسات نتنياهو ليست تهديداً للمنطقة فحسب، بل هي تهديد للعالم، ومشكلة للعالم كله. والعالم كله يتكاتف بحثاً عن حلول للتعامل مع سياسات نتنياهو. وما دام الأمر كذلك، أعتقد أن الرد اللازم سيأتي بشكل أو بآخر. ونرى أن هذه الأفكار وهذا الموقف وهذه الاستراتيجية بدأت تجد صدى متزايداً حتى لدى أصدقاء إسرائيل التقليديين، ولدى الدول التي تشعر بأنها مدينة لإسرائيل؛ وهذا أيضاً تطور مهم جداً. وعلى المدى الأبعد، نؤمن إن شاء الله بأن المسار سيكون لصالح الفلسطينيين المظلومين.

يمر العالم الإسلامي هذه الأيام بمرحلة صعبة، ويعيش أزمة على عدة جبهات في آن واحد. لكن الحمد لله، ما دام رئيسنا على رأسنا، فإن قيادته للمنطقة وسعة أفقه، والتضامن الذي أبديناه مع دول المنطقة، ستمكّننا من تجاوز كثير من المشكلات. وإن شاء الله أياماً أفضل تنتظرنا، وأنا مؤمن بذلك.

السعودية والحوثيون وباب المندب

معالي الوزير، بدأنا بسوريا ثم نزلنا قليلاً نحو الجنوب. وإذا نزلنا أكثر فهناك للأسف مشكلة أيضاً، وهي الاشتباكات بين السعودية واليمن، أي الحوثيين. بل نرى مساراً تطور إلى حد اقتراب إغلاق مضيق باب المندب. هل يمكن إيجاد صيغة مرحلية؟ وهل هناك مساعٍ لخفض هذا التوتر؟

المساعي كثيرة، لكن هذه المساعي يجب بالطبع أن تفضي إلى نتائج مقبولة لدى الأطراف المعنية. واليوم أيضاً أجريت اتصالات كثيرة، خصوصاً مع الزملاء الذين يؤدون دور الوساطة ومع الأطراف الأخرى.

كما تعلمون، هناك انسداد في المحادثات الأمريكية الإيرانية منذ بضعة أشهر، وكأحد مظاهر هذا الانسداد لا نرى فقط هجمات متبادلة، بل نرى أيضاً أن اليمن فتح الآن جبهة باب المندب. ونرى أن الأطراف منخرطة في عملية توسيع تدريجي نحو السعودية. والأمر يزداد تعقيداً. نحن بالطبع نضع كل ثقلنا خلف وصول المفاوضات الجارية بين أمريكا وإيران إلى نتيجة، لكن هناك انعداماً كبيراً للثقة بين الطرفين. لقد توصلا إلى تفاهم في باكستان، لكن ظهرت بعد ذلك إخفاقات في التطبيق، وبدأ الطرفان الآن بصراحة يفسّران المسار القائم بشكل مختلف لصالحهما؛ هناك تفسيرات مختلفة. وهناك الآن مقترحات جديدة قُدّمت للطرفين، آمل أن يقبلاها. وإلا… فالأزمة الحالية تحمّلتها الدول المتأثرة بها إلى حد معين، لكن انعكاساتها الاقتصادية بدأت تتجاوز بكثير ما يمكن تحمّله بالنسبة لبعض الدول. ونرى ذلك عن كثب في أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ وأفريقيا. وكما تعلمون، هناك الآن في الحرب الروسية الأوكرانية أيضاً استهداف للبنية التحتية للطاقة، وهنا أيضاً ثمة اختناق خطير في طرق الطاقة. وعندما يجتمع الأمران، تجد دول مثلنا، تدير صناعتها واقتصادها بالطاقة المستوردة، نفسها أمام مساحة كبيرة من إدارة الأزمة الاقتصادية.

تحالف مكة

معالي الوزير، بعد هجمات الحوثيين على السعودية عاد تحالف مكة إلى الواجهة، وإن كان حاضراً أصلاً. لنسأل أولاً: في أي مرحلة هو تحالف مكة؟ هل يتجه نحو المأسسة؟ وهل سينضم أعضاء جدد؟ نودّ أن نعرف أين وصل.

تحالف مكة في مرحلة جيدة حقاً. هناك إرادة قوية جداً تم التعبير عنها، ونعمل بكل ما أوتينا من قوة لتحويل هذه الإرادة إلى واقع. وهناك حالياً خطوات تُتخذ نحو المأسسة. ولا سيما أن العمل التفصيلي على إنشاء الأمانة العامة المذكورة في الاتفاقية، وتفعيل مقر عسكري مرتبط بها، قد اكتمل تقريباً. لقد توصلنا إلى تفاهم مشترك. ولم يبقَ الآن سوى مرحلة إرسال الأفراد وتشغيل المقر. وأنا راضٍ عن المسار في هذا الشأن. فإذا نظرنا إلى مؤسسات أخرى، نجد أن المؤسسات الدولية تستكمل مأسستها في وقت متأخر جداً، بينما نحن نخطو هنا خطوات سريعة، لأن بعض الديناميات في المنطقة تتطلب ذلك بصراحة.

وكما قلت من قبل، تحالفنا مفتوح أمام دول المنطقة. وأعتقد أنه بعد اتخاذ خطوات المأسسة، ستُجرى المشاورات اللازمة بشأن ضم حلفاء جدد بالتنسيق مع الدولتين المؤسستين الأخريين؛ ولدينا قرار مبدئي بذلك. لأن رئيسنا قال منذ البداية: "إذا لم يكبر هذا الإطار، فلن يكون ساحة تحالف أصلاً، بل سنكون قد صنعنا معسكراً". رؤيتنا الإقليمية هي أن تجتمع دول المنطقة، أكبر عدد ممكن منها، لتأسيس فضاء دفاعي مشترك. وهذا الفضاء الدفاعي ليس موجهاً في الحقيقة نحو الخارج، بل غايته حلّ مناطق المشكلات داخل الإقليم بشكل أفضل بروح الملكية الإقليمية، ومنع نشوء أزمات جديدة عبر إرساء بيئة من الثقة لم تتمكن دوله من إرسائها حتى الآن.

ونقطة الانطلاق في كل ذلك هي في جوهرها السعي إلى إيجاد حلول إقليمية للمشكلات الإقليمية. وكما قلت مراراً، فإن مجيء القوى المهيمنة الدولية أو القوة المهيمنة إلى منطقتنا لمحاولة حل مشكلة ما — بنية حسنة أو بنية مختلفة — قد يبدو بالطبع أنه يُنتج نتيجة، لكنه في أغلب الأحيان أنتج مشكلات أكثر من النتائج. وقد رأينا ذلك مراراً. لقد حان وقت استخلاص الدروس. وأنا أرى تحالف مكة مهماً جداً من هذه الزاوية، وإن شاء الله سنرى نتائجه الإيجابية قريباً.

معالي الوزير، بعد هجمات الحوثيين على السعودية: أولاً، هل ورد إلى التحالف طلب دعم من السعودية؟ وهل هناك احتمال أن يدخل تحالف مكة في انخراط عسكري إلى جانب السعودية؟

كما تعلمون، المشكلة مع الحوثيين قائمة منذ عشر سنوات. بصراحة هي مشكلة بدأت عام 2015. وفي 2022 تم التوصل فعلاً إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، لكن الأوضاع اضطربت مجدداً بعد أحداث غزة. وفي المرحلة التي وصلنا إليها الآن نرى بالطبع هجمات خطيرة جداً تستهدف وحدة أراضي السعودية وسيادتها وبنيتها التحتية. وإذا نظرنا إلى اتفاقيتنا، فإن على الدول فيها مسؤولية تحالفية تجاه بعضها. وكما تعلمون، رئيسنا قائد يفي بوعده حقاً. هناك أمر وقّعنا عليه بصفتنا دولة. نحن في حالة تضامن في هذا الشأن، ونقيّم على وجه الخصوص تحليلات الوضع. وكما تعلمون، نحن في وزارة الخارجية ندين الهجمات التي وقعت، ولا سيما تلك التي استهدفت مكة والبنية التحتية النفطية. فالسعودية لم تهاجم أحداً، ونحن بصراحة ندين مثل هذه الهجمات الاستفزازية. كما أننا لا نقبل أن يُجعل ذلك جزءاً من النزاع والصراع الجاري بين إيران وأمريكا. يجب إبقاء السعودية خارج هذه المعادلة، لأنها هي نفسها لا تسعى إلى الانخراط فيها. وفي المرحلة الحالية نتابع الوضع عن كثب بصفتنا أعضاء في تحالف مكة. ولدينا أحاديث ومباحثات لم تنعكس على الرأي العام. وقد تكون لديهم في هذه المرحلة احتياجات عسكرية، ولا سيما في بعض المسائل الفنية، ولن تكون لدينا مشكلة في تلبيتها.

معالي الوزير، أودّ أن أضيف سؤالاً: منذ يوم تأسيس التحالف هناك دول منزعجة منه بشكل خاص. وبعد التطورات الأخيرة رأينا تعليقات من إسرائيل وإيران والهند، بل ومن اليونان، تقول إن تحالف مكة بقي حبراً على ورق. ماذا تقولون لهذه التعليقات؟

في الحقيقة، عندما ننظر إلى الدول التي ذكرتموها — إسرائيل والهند واليونان وغيرها — نفهم إلى أي حد كان تحالف مكة خطوة مدوّية ومهمة. لأن عمليات التشويه هذه، عبر الإعلام وأساليب التضليل، هي في الواقع انعكاس لذلك. ونحن بالطبع نمرّ عليها ضاحكين؛ فهي لا أساس لها من الصحة. نحن أعضاء في الناتو منذ عام 1952. وكما قلت من قبل، ربما فعّل الناتو المادة الخامسة مرتين في تاريخه، ولم يكن له خارج ذلك ميدان مهمة. لكن أحداً لم يصف الناتو يوماً بأنه نمر من ورق أو شيء على الورق. أما أن يوصف اتفاق لم يمضِ على توقيعه سوى ثلاثة أشهر بهذا الشكل رغم أنه يتقدم بخطوات سريعة، فذلك محاولة لإنهاء الشيء قبل أن يبدأ. وما ذكرتموه هو في الحقيقة مقاربة تعكس بشكل غير مباشر تصوّرهم للتهديد هنا. نحن نرى هذه الأمور وننظر إليها، لكنها ليست مما يؤخذ على محمل الجد. وسترون أن تحالف مكة سيكون إن شاء الله منصة تغيّر قواعد اللعبة.

غزة والضفة الغربية

معالي الوزير، هناك بالطبع أزمات دولية كثيرة، لكن موقف تركيا من فلسطين كان دائماً واضحاً. ما هو الوضع الأخير في غزة والضفة الغربية؟ لو نفصّل قليلاً.

في غزة لا يمكن الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية، وأريد أن أقول هذا بصراحة عن خطة السلام. والعامل الأكبر هنا بالطبع هو دور إسرائيل المعطِّل. لقد نفّذ الجانب الفلسطيني، ممثلاً في حماس، كثيراً مما يقع على عاتقه في المرحلة الأولى من خطة السلام، وفي مقدمته إطلاق سراح الرهائن. فعل ذلك بصعوبة وعلى مضض، لأن آليات اتخاذ القرار لديه صعبة. لكن في لحظة ما، وبفضل عمل الوسطاء وتأثيرهم وجهودنا المكثفة، أدّت حماس ما عليها في هذا الاتفاق الذي يحظى بقبول المجتمع الدولي. أما إسرائيل، فكلما نفّذ الجانب الفلسطيني التزاماته أتت بمطالب جديدة، ولا ترى نفسها ملزمة بهذا الاتفاق؛ وهذه الآن أكبر مشكلة لدينا. وفي هذا الشهر يمر عام على محاولة تنفيذ هذا الاتفاق. وكما تعلمون، اجتمع في سبتمبر/أيلول من العام الماضي وفد من الدول الإسلامية برئاسة رئيسنا مع ترامب في نيويورك، وخرجت خطة السلام في غزة من ذلك الاجتماع. قال هؤلاء القادة للرئيس ترامب: "يجب أن تتوقف هذه المشكلة الآن، لأنها باتت قادرة على التأثير في أمور كثيرة، وإن فعلنا ذلك فسنفعله معاً".

والآن، وبعد عام، يجب تجاوز هذا الانسداد، لكن كما قلت فإن دور إسرائيل المعطِّل في هذه النقطة مستمر. وعلى المجتمع الدولي والدول التي تتولى دوراً في هذا الملف أن تعمل على تجاوز هذا الانسداد.

وفي ملف المساعدات الإنسانية لا نرى خطوات بالحجم والسرعة التي نريدها. الوضع ليس سيئاً كما كان، لكنه ليس بالانتشار الذي نريده. يجب معالجة مسائل الإيواء، لأن إسرائيل، عبر نشر قوائم بالمواد المقيّدة مثل الحديد وغيره، لا تسمح بدخول بعض مواد الإيواء والمباني الجاهزة، ولا تسمح بدخول مواد البناء. وهذا في الوقت الحالي أمر سيئ للغاية من الناحية الإنسانية.

ومن جهة أخرى، فهي لا ترتكب عمليات قتل جماعي كما في زمن الحرب، لكنها تواصل ضرب أهداف منتقاة. وكما تعلمون قصفت قبل أيام مبنى سكنياً، واستُشهد أطفال مرة أخرى. وهنا أيضاً تستمر عمليات القتل، أي أن هناك خروقات. وفي الضفة الغربية، فإن ازدياد جموح المستوطنين وتسريعهم لسلب الأراضي يستقطب كما تعلمون اهتماماً جدياً جداً من المجتمع الدولي أيضاً. لقد حاول الاتحاد الأوروبي اتخاذ قرار، لكنه لم يتمكن من تحقيق الإجماع بسبب بضع دول. أما المملكة المتحدة، فكما تعلمون فرضت عقوبات منفردة؛ إذ انحرفت لأول مرة عن سياسة استمرت سنوات وفرضت عقوبات على المستوطنين غير الشرعيين. لا أحد يدافع عن المستوطنين غير الشرعيين، لكن هل هناك من يمنعهم؟ هل هناك من يستطيع منعهم؟ هنا بالذات يكمن امتحان المجتمع الدولي، وامتحان العالم الإسلامي. ونحن نعمل بكل ما نستطيع لجعل ذلك ممكناً. وبالطبع هناك واجب يقع على الفلسطينيين أيضاً، ويجب النظر إليه. عليهم أن يحققوا وحدتهم. وهذا أمر يحدث في المسيرة التاريخية للحركات السياسية: أحياناً يقع تعارض بين مصلحة حركتك والمصلحة العامة للقضية التي تخدمها. فأيّهما ستختار؟

لقد بذلت تركيا جهوداً كبيرة من أجل تلك الوحدة. هل يمكن أن يتحقق مثل هذا الاحتمال؟

نعم. لقد عملنا كثيراً من أجل التوحيد بين الضفة الغربية وغزة، لكن ذلك لم يحدث لأسباب لا أريد الخوض في تفاصيلها الآن. ولم نكن وحدنا، بل انشغلت بهذا الملف دول كثيرة.

وهناك أمر آخر في العالم الإسلامي: بسبب طبيعة حماس، تتحفظ دول عربية كثيرة عليها ولا تتواصل معها. وتركيا من الدول القليلة القادرة على التواصل مع رام الله ومع غزة معاً. ونحن نحافظ على هذه العلاقة المتكافئة وعلى دعمنا لكل من رام الله وغزة… لأنه لا يهمنا أي حزب فلسطيني هو. يحاولون دائماً دفعنا إلى صف حماس، لكن ما يهمنا هو أن يكون فلسطينياً، وأن يخدم القضية الفلسطينية، وأن يكون حركة شرعية تدعمها قاعدة شرعية في فلسطين، كما في مثال فتح وكما في مثال حماس… فهذه أحزاب اختارها الفلسطينيون، وتُرسل نواباً إلى المجلس التشريعي الفلسطيني. والتعاون بينها بالغ الأهمية. ونأمل إن شاء الله أن يتخذوا هم أيضاً الخطوات اللازمة في هذا الشأن. عليهم أن يقدّموا تضحيات معينة. وسنواصل جهود الوساطة التي نبذلها في هذا الملف.

الوساطة بين إيران والولايات المتحدة

معالي الوزير، أودّ أن أسأل أيضاً عن المحادثات بين إيران والولايات المتحدة. وما دمنا نتحدث عن الوساطة، فهناك قطر وباكستان وعُمان تسعى في ذلك. هل تتواصل وساطاتها؟

وساطاتها مستمرة بشكل متقطع. أي: جرى في باكستان مسار ودخل حيّز التنفيذ، ووصل إلى نقطة معينة، ثم خرج عن مساره. وبعد ذلك… الدولة الأكثر تأثراً بالأحداث في المنطقة هي بلا شك قطر. قطر لا تستطيع أن تبيع شيئاً. وهم قريبون جداً من إيران أيضاً، وفي وضع يسمح لهم بالحديث معها. ويستخدمون ذلك — فلديهم علاقات جيدة مع إيران ومع أمريكا، وهم في مقدمة الدول المتضررة — لمحاولة فعل شيء. وقد تحدثت اليوم أيضاً مع الزملاء الوسطاء القطريين. لكن التوفيق بين المواقف التي طرحها الطرفان، ولا سيما مع توجه أمريكا نحو الانتخابات، أمر صعب بعض الشيء، لكنه ليس مستحيلاً. وإن شاء الله أتوقع نتائج جيدة.

الحرب الروسية الأوكرانية والبحر الأسود

معالي الوزير، نحن في جغرافيا صعبة. ونودّ أن نسأل أيضاً عن التطورات في شمالنا. هناك حرب تقترب الآن من عامها الخامس. ونرى التوتر يتصاعد مجدداً في البحر الأسود. في الفترة الأولى من الحرب، ربما حال اتفاق ممر الحبوب، بوساطة تركية، دون أزمة غذاء عالمية. أين وصلت المبادرات والجهود لإنهاء الحرب؟ وإذا لم تنتهِ الحرب، فهل يمكن إيجاد صيغة مرحلية كتلك تحقق مزيداً من الهدوء في البحر الأسود؟

هناك بعض المبادرات لإنهاء الحرب، لكن بصراحة يبدو من الصعب في الوقت الراهن أن تُنتج نتيجة دائمة. ومع ذلك يجب مواصلة العمل وعدم فقدان الأمل.

وهنا يا أصدقائي الأعزاء نقطة يجب قولها: هل ستدرك جميع الأطراف بما يكفي الطابع التدميري للحرب وتقول: "هل سنمضي نحو حرب تخمد من تلقاء نفسها؟"، أم ستقول: "من الواضح أصلاً إلى أين سننتهي، نحن في حرب إفناء، فلنلتقِ في نقطة معقولة في المنتصف ونمنع مزيداً من تدمير بعضنا بعضاً"؟ نحن نحاول أن نشرح للأطراف أن هذه النفسية قائمة.

حتى عام 2023 كانت الحرب حرباً تقليدية. ثم تحولت حتى عام 2025 إلى حرب استنزاف، ورأينا في الغالب جنوداً على الجبهات يُفني بعضهم بعضاً. وبعد 2025 تحولت من الاستنزاف إلى حرب إفناء، وبتنا نرى بشكل متزايد استهداف جميع الأهداف المدنية دون تمييز، وضرب البنى التحتية باستثناء التجمعات السكنية، ولا سيما الطاقة والنقل والمنشآت التجارية. وهذا بالطبع يجعل الحياة المدنية أصعب فأصعب. يجب وضع حد لهذا الإفناء. والآن يستعرض كل طرف قدرته على الصمود، ويتحول الأمر إلى نوع من: من سيرمش أولاً، ومن سيتراجع أولاً. لكن لا حاجة للوصول إلى هذه النقطة. ونحن نعمل، عبر الحديث مع الدول المعنية أيضاً، على نوع الصيغ المرحلية التي يمكن التوصل إليها، لكن ذلك في الأثناء وضع مرتبط بالحرب ككل.

مسألة البحر الأسود مهمة. فالبحر الأسود مهم من عدة جوانب. هو أولاً منطقة متاخمة لتركيا. وكما تعلمون، التجارة في البحر الأسود مسألة مهمة لنا أيضاً؛ سفننا تتأثر، ورجال أعمالنا يتأثرون. لكن الأهم من ذلك أننا الآن في ذروة الموسم تماماً: إذا لم تصل الحبوب المحصودة من الحقول إلى الأسواق العالمية، فسنرى مجدداً مشكلات في الأمن الغذائي لدى دول كثيرة. في السنوات القليلة الماضية — لقد أبرمنا اتفاقاً، ثم انهار ذلك الاتفاق لاحقاً، لكن رغم انهياره — كان هناك نظام يعمل بحكم الأمر الواقع، ولم يكونوا يمسّونه. أما الآن فهم يضربون بعضهم بعضاً بقوة. وخصوصاً يضربون الموانئ وكل الحركة البحرية.

وقد أرسلنا الآن إلى الطرفين مقترحاً في هذا الشأن. ولدينا أعمال بشأنه، وننتظر الردود، وقد وصلت ردود من الطرفين أيضاً. نحاول بصراحة الوصول به إلى نتيجة. لكن هنا أيضاً، وانطلاقاً من الدروس التي استخلصها الطرفان من تطبيق الاتفاق السابق، لديهما مطالب ومواقف يصعب التوفيق بينها، دعوني أقول ذلك أيضاً. أما أيّ طرف يريد ماذا، فبالطبع ليس من الصواب أن أقوله هنا. لكن مؤخراً جاء نائب رئيس الوزراء الروسي، وكنا معاً يوم الجمعة الماضي، ونقل إلينا هو أيضاً رؤية روسيا لتجاوز هذه المشكلة. ونحن نقيّم كل هذه المعطيات، وعرضنا المسألة على رئيسنا أيضاً. وإن شاء الله الأولوية الأولى هي إخراج هذه الحبوب من البحر الأسود. يجب أن تصل إلى الأسواق العالمية. فهناك حاجة إلى هذه الحبوب في أماكن كثيرة، في الدول الأفريقية ومنها مصر، والحبوب، على عكس الطاقة، منتج يبيعه البلدان كلاهما. أما الطاقة فتبيعها روسيا بالدرجة الأولى بالطبع، لكن… هنا أيضاً صعوبات يجب تجاوزها، وسنتجاوزها إن شاء الله.

صعوبات الوساطة

وبالحديث عن الوساطة، نعلم أنكم قمتم في الواقع بجهود وساطة على جبهات كثيرة باسم تركيا، وأن لكم تأثيراً كبيراً فيها. وإذا نظرنا إلى الأزمات الدولية الجارية، معالي الوزير، أين تبدأ أكبر صعوبة في الوساطة؟

في الحقيقة يتوقف ذلك على الملف الذي تعمل عليه. لكنك ترى الفائدة في هذا: هوية الوسيط مهمة، وموقفه مهم. فإذا كان طرفاً يحترمه الطرفان ويثقان به، فذلك دعم جدي جداً، وتُحلّ الأمور بسرعة.

وكما تعلمون — دعوني أضرب مثالاً — كانت هناك مشكلة بين إثيوبيا والصومال كادت تتحول إلى صدام. إثيوبيا بلد حبيس لا منفذ له على البحر، وهو بلد كبير جداً بعدد سكان كبير بالمقياس الأفريقي. لكن لا منفذ له على البحر، في حين أن للدول المجاورة له مباشرة آلاف الكيلومترات من السواحل. وإذا لم تحل ذلك بالأسلوب المناسب فسيتجه الأمر إلى… وقد استضاف رئيسنا قادة البلدين، إثيوبيا والصومال. ونتيجة مباحثات استمرت ساعات دون أن يغادر أحد الطاولة، وبفضل احترام الطرفين له وثقتهما بعدالته، قُبلت المسودة التي طرحناها إلى حد كبير، ونرى أن احتمال الصدام هناك لم يكن قائماً في تلك اللحظة وليس قائماً اليوم.

لكن هناك حروباً — حروباً يشترك فيها أكثر من طرفين… لنأخذ الحرب الروسية الأوكرانية: هناك روسيا وأوكرانيا، وفي أحد الجانبين أمريكا — كانت هناك في البداية — وهناك الدول الأوروبية، الجميع موجود. والحرب الإيرانية الأمريكية: في أحد جانبيها إسرائيل، وهناك الخليج، وهناك دول أخرى، وأمور كثيرة. وهنا، بعد نقطة معينة، فإن بعض من يتابعون الملف جيداً… أكثر ما نفعله نحن — لأننا نتابع ملفات الوساطة عن كثب شديد، ليس فقط الملفات التي نتوسط فيها بأنفسنا بل أيضاً الأزمات الجارية في منطقتنا — هو أننا نقدّم للوسطاء أموراً جيدة جداً: أحياناً نرفع معنوياتهم، وأحياناً نقول: "انظروا من هذه الزاوية، ربما فاتكم هذا الجانب".

هناك بالطبع نقاط تقدّمون فيها المشورة.

بالطبع، بالطبع، وهذا أيضاً مهم. لأن الجميع بحاجة إلى منظور. مشكلات معقدة… ليست قضايا يستطيع أحد حلّها وحده بعقله، ولا أموراً ينهض بها أحد بنفسيته الخاصة. يجب تسخير العقل لمثل هذه القضايا قدر الإمكان.

وما رأيته أيضاً أن الدول والوسطاء الذين يركزون فعلاً على النتيجة بدلاً من البحث عن الفضل يكونون أكثر فاعلية، ويصبحون أكثر قبولاً. أي أنك إذا روّجت لما تفعله، فبصراحة لن يرغب الناس في رؤيتك في الملف التالي؛ هناك هذا الجانب أيضاً. ولذلك ينبغي النظر إلى الأمر قليلاً كعمل خير وإدارته بعيداً عن الأضواء…

إذن تركيا هي الأفضل في هذا، أليس كذلك؟

بالطبع.

إذن هناك قضايا لا نعرفها يا معالي الوزير.

هناك، هناك، وهذا ما ينبغي أن يكون. لأن… لقد رأيت ذلك: أحياناً تفعل دولة ما شيئاً، وما إن تفعله حتى تقول الدول الأخرى: "ماذا أفعل أنا هنا؟ وماذا تفعلون أنتم؟". قد يحدث ذلك… ولذلك يجب مراعاة معيار أخلاقي معين هنا أيضاً.

اليونان وبحر إيجه

معالي الوزير، لا نريد أن نمرّ دون التطرق إلى اليونان. هناك تصريحات صادرة من الجانب اليوناني في سياق قضايا بحر إيجه. كيف تقيّمون هذه التصريحات؟

في اليونان، كما قلنا من قبل، هناك عامل تركي في السياسة الداخلية. إذا أراد أحد في السياسة الداخلية أن يختصر الطريق، أو احتاج إلى كسب نقاط إضافية بسرعة، أو إلى لفت انتباه الرأي العام إليه، أو إلى ريح مواتية من الرأي العام، فالورقة التي سيلعبها هي الورقة التركية. السياسة في تركيا لا تعمل بهذه الطريقة. تحدّث عن اليونان ما شئت أو لا تتحدث، لا توجد مثل هذه القضية. لدينا مشكلات أكبر وأكثر عالمية، أما السياسة اليونانية فلها موضوع واحد.

تركيا.

ونحن نقول أحياناً، بالنيابة عنهم في الحقيقة، إنه لا ينبغي لدولة مثل اليونان أن تمارس السياسة بمنظور ضيق إلى هذا الحد، لكنهم يضيّقون على بعضهم من هذا الباب. لقد توصلنا مع الحكومة الحالية منذ مايو/أيار 2023 إلى تفاهم مشترك. قلنا: حتى الانتخابات المقبلة، وما دامت هذه الحكومات في السلطة، سيبذلون ما في وسعهم لحل المشكلة بحسن نية، ولن يكون هناك توتر في بحر إيجه كما كان من قبل، ولن يفاجئ أحد الطرفين الآخر. وقد حاولنا فعلاً دفع ذلك إلى الأمام قدر ما استطعنا. وكلما حاولت الحكومة في اليونان الوصول بذلك إلى نقطة ما، فإن المكان الوحيد الذي تضربه المعارضة فوراً… هو ورقة واحدة. تريد أن تقول: "لماذا لا تحارب تركيا، ولماذا تتحدث معها بلطف وبشكل جيد؟". ولو حاربت لانتقدوها لأنها حاربت. للأسف هناك جوانب غير عقلانية في هذه السياسة. الديمقراطية نظام جيد، لكن لها أحياناً، ماذا نقول، جوانب مُنتفخة بالهرمونات أيضاً. وهذا يمسّ لا محالة…

لكن هذا يا أصدقائي الأعزاء لا يعني أننا لا نأخذ التهديدات القائمة على محمل الجد. موقفنا واضح. أولاً، إلى أن تُحلّ مشكلات بحر إيجه ومسألة الجرف القاري، فإن موقفنا واضح. نحن لسنا مع إثارة التوتر. ولا نقبل أبداً تسليح الجزر ذات الوضع منزوع السلاح. ولدينا في هذا الشأن مساعٍ دقيقة جداً ومُلحّة جداً. وغالباً ما نقوم بها دون إعلانها للرأي العام، لأن انعكاس بعض الأمور على الرأي العام قد يكون أكثر إحراجاً لليونان منه لنا. لكن هذه المنطقة بحاجة إلى السلام لا إلى التسلح. قلنا ذلك مراراً. الحرب ليست في صالح أحد، والأساس هو السلام. لكن اليونان، وسياسيوها بإصرار… ونرى الآن أيضاً توجهاً نحو أجواء انتخابية هناك، وسيُستخدم هذا الخطاب أكثر قليلاً. لكننا ننظر إلى ما يجري عملياً، إلى ما هو رسمي فعلاً. وقواتنا المسلحة في حالة يقظة بالغة في هذا الشأن، وقيادة خفر السواحل لدينا في حالة يقظة. ونأمل ألا يقوم أحد هناك بخطوة جنونية، وأن يفعلوا ما يقتضيه السلام والطمأنينة. لقد وصلنا إلى عام 2026، ومرّت كل هذه القرون؛ فإذا كانت الدول المتحضرة لا تستطيع أن تجتمع وتتحادث وتحل المشكلات، فهناك شيء آخر إذن. لقد نقل رئيسنا إرادته إلى كل حكومة يونانية جاءت. ويُظهر منذ 2003 أنه يريد حل هذه القضايا بالحوار معها جميعاً. في البداية يقولون حسناً، جيد، ويحاولون الوصول إلى نقطة ما، لكن السياسة اليونانية تسحب الأمر فوراً إلى القاع.

وما سبب قيامهم بذلك يا معالي الوزير؟

الأمر هكذا… لأن من يحلّ هذه المشكلات هناك سيصبح…

وفي هذه الفترة جاء إلى الحكم من اليمين ومن اليسار، ولا يتغير الأمر من حيث السلطة.

بالطبع، بالطبع. لا، رئيسنا منحهم جميعاً الرصيد نفسه، أي أنه يريد الحل فعلاً…

انظروا، مسألة بحر إيجه مسألة حساسة جداً، وهي حساسة في تركيا أيضاً. لكنها مسألة لا يستطيع أن يقول فيها "نعم" أو "لا" في أمور معينة ويضع فيها إرادته إلا قائد يتمتع برصيد سياسي عالٍ جداً مثل رئيسنا. فقبله اضطرت حكومات كثيرة، إن جاز التعبير، وبحكم طبيعة الأمر بالطبع، إلى المماطلة وتدوير الكرة، تماماً كما يفعل اليونانيون. أما هو فقال في هذا الشأن: "تعالوا يا إخوتي نحلّ هذا أياً كانت المسألة، سواء في قضية قبرص أو في قضية بحر إيجه"، ووضع إرادته هنا. لكن الحكومات اليونانية، بحكم طبيعة السياسة اليونانية، لا تستطيع أن تخطو خطوة إلى الأمام في هذا الشأن. ربما ينبغي هنا للشعب اليوناني أن يشجع سياسييه، أي أن يقول: "نحن خلفك لا في الحرب ولا في خطاب الحرب، بل في السلام؛ وإن لم تأتِ بالسلام فسنعاقبك، لا العكس". لكنهم يشجعون السياسيين بأمور صغيرة جداً وحماسية. من قبيل: "هاكان فيدان قال اليوم كذا، فلماذا لا تقول أنت كذا غداً؟"، و"فعل ذاك كذا، فلماذا لا تقول هذا؟"، و"مرّت سفينة من هناك، فلماذا لا يكون الأمر كذا؟". إنه موضوع يعيش فيه الناس حالة استنفار دائمة.

ومع السياسيين هناك — لدينا الآن أصدقاء مقربون، نتحدث معهم ونتحاور — هناك مثل هذا السياق. لكنني أكرر: هذا لا يعني شيئاً آخر؛ فنحن دولة جادة، ونتابع قضايانا بجدية بالغة. ونأمل إن شاء الله أن يبقى بعض ما يقولونه في حدود الخطاب، ويُقال إنه "لأسباب سياسية"، ويبقى عند هذا الحد. لكن إذا كانت لديهم نية للمضي أبعد من ذلك والإقدام على خطوات مغامرة في لحظة غير عقلانية، فإن جدية هذه الدولة وقوتها معروفتان للجميع.

الجمعية العامة للأمم المتحدة

حسناً معالي الوزير، الأسبوع المقبل تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في دورتها الحادية والثمانين. وبالطبع سيكون للرئيس ولكم جدول مكثف هناك ولقاءات ثنائية. ما الذي على أجندة تركيا في نيويورك هذا الأسبوع؟ أودّ أن أسأل عن ذلك، وأيضاً سيلقي الرئيس بالطبع كلمة أمام الجمعية العامة، فهل يمكنكم أن تعطونا بعض الإشارات عن كلمته؟

كما تعلمون، رئيسنا اليوم واحد من القادة القلائل جداً على مستوى العالم المنتخَبين ديمقراطياً، والذين تترسخ قيادتهم كل خمس سنوات أو أربع بإرادة الشعب، والذين بقوا في السلطة كل هذه المدة. ولذلك فإن كونه زعيم تركيا هو في حد ذاته مصدر هيبة وثقل، لكن البقاء كل هذه المدة أمر آخر. رسائل رئيسنا في الأمم المتحدة تُتابَع ويُستمع إليها عن كثب شديد كل عام. وهو دائماً أصلاً من بين أول ثلاثة أو أربعة متحدثين. كما تعلمون هناك نحو 200 دولة، واحد أو اثنان منها لا يتغيران أبداً، وهما منذ تأسيس الأمم المتحدة أمريكا والبرازيل. ثم من سيكون الثالث أو الرابع أو قرابة الخامس… وعادة ما يلقي رئيسنا كلمته في هذه المراتب الأولى، الرابع أو الخامس أو السادس، في اليوم الأول وفي الساعات الأولى. وهذا العام أيضاً ستكون له إن شاء الله كلمة شاملة ورؤيوية حول الحلول التي تقترحها تركيا، من موقعها، لمشكلات العالم. تأكيد على حل مشكلات العالم على أساس المصلحة المشتركة والقيم الإنسانية…

والذكاء الاصطناعي أيضاً على أجندتنا حالياً. ففي مجال الذكاء الاصطناعي، نحن الآن في وضع قد تحتاج فيه البشرية لأول مرة إلى استشراف المخاطر المستقبلية مسبقاً إلى هذا الحد واتخاذ خطوات مشتركة. وسيوجّه رئيسنا نداءً بهذا الشأن أيضاً.

لقاء ترامب وعقوبات "كاتسا" وصواريخ إس-400

نعم، سيكون لدينا سؤال عن الذكاء الاصطناعي في الدقائق المقبلة، لكن من المتوقع أيضاً أن يلتقي الرئيس رجب طيب أردوغان رئيسَ الولايات المتحدة ترامب. وقد قال السفير الأمريكي توم باراك إن هذا اللقاء سيُعقد في نيويورك. هل يمكن أن تعطونا إشارة عن هذا اللقاء؟ ونودّ أيضاً أن نسأل عمّا إذا كان هناك تطور بشأن صواريخ إس-400، معالي الوزير.

كما تعلمون، استضفنا مؤخراً مع رئيسنا السيدَ ترامب في أنقرة. فقد قام بزيارة ثنائية وشارك أيضاً في قمة الناتو. وبعد ذلك تحدث مع رئيسنا هاتفياً مرات عديدة وكتب رسائل، معبّراً عن مدى تأثره بحسن الضيافة والمباحثات، وعن رغبتهم في الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى أفضل، وعن أنه سيعمل على إزالة مجالات المشكلات القائمة… والآن، كما تعلمون، فإن عقوبات "كاتسا" قيد بالنسبة لنا، ولا سيما لرئاسة الصناعات الدفاعية، ونحن نسعى إلى رفعها. وهناك بعض الأفكار الخلّاقة على طريق حل مسألة إس-400 التي تسببت في بدئها. ونحاول تطبيقها بحسن نية متبادل، وبعض مسارات الحل… وآمل إن شاء الله أن نخطو خطوات إيجابية في هذا الشأن.

ديار بكر ومسار "تركيا خالية من الإرهاب"

نعم، ومن عناويننا الأخرى "تركيا خالية من الإرهاب"، وفي هذا السياق قمتم في الواقع بزيارة إلى ديار بكر. وحظيت الزيارة باهتمام كبير جداً. ونعلم من وسائل التواصل الاجتماعي ومن التلفزيون أنكم كنتم راضين. وبالطبع تواصلتم مع الناس. كيف تقيّمون هذه الزيارة في ضوء المسار؟

في الحقيقة… كنت أذهب إلى ديار بكر في مناصبي السابقة أيضاً. وهذه المرة ذهبت بتكليف من حزبنا، لأننا كوزراء نزور ولايات معينة. ورأيت أن "تركيا خالية من الإرهاب" تلقى هناك صدى إيجابياً مذهلاً؛ أي أن القاعدة الشعبية جاهزة لذلك أصلاً. وأُتيحت لي الفرصة للقاء ممثلي منظمات مجتمع مدني متنوعة جداً. تحدثنا لساعات، واستمعت إلى الجميع، وطرحوا آراء قيّمة جداً. هناك أصحاب مواقف سياسية، وأصحاب مواقف تجارية، وأصحاب مواقف دينية وثقافية. واستمعنا إلى كل منهم من موقعه وهو يتحدث عن ديار بكر ومسار "تركيا خالية من الإرهاب"، وعن رضاه بالخطوات المتخذة لإزالة العقبات أمام الهوية الكردية، وتحدثنا عن كل ذلك وتبادلنا الآراء. وبصراحة كان الأمر مفيداً جداً لي أيضاً.

لكنني سعدت كثيراً بهذا بالطبع: منذ زمن طويل — وكما تعلمون، أجرت حكومة حزب العدالة والتنمية منذ لحظة وصولها إلى السلطة إصلاحات سياسية كبيرة جداً. وأكبر ثورة سياسية هي إنهاء إنكار الهوية. أي أن الإنسان عزيز ومعتبر وتحت الحماية الدستورية، لا لأنه كردي أو علوي أو سني أو عربي، بل حقاً لأنه مواطن في الجمهورية التركية، وفرد محترم من أبناء هذه الأرض؛ ونحن جعلنا ذلك ممكناً. وعندما زال ذلك… وكما تعلمون، منذ تأسيس الجمهورية هناك قضايا حساسة تتعلق بثلاث فئات. كانت هناك مجالات انتُهكت فيها قضايا حساسة للمتدينين تتعلق بحرية الدين: الحجاب، وحرية العبادة، وتطبيق ذلك على الموظفين… وبالنسبة للأكراد، ولا سيما مشكلة التحدث باللغة الكردية ومشكلة الهوية، وإزالة العقبة أمامها… وأخيراً في 2013، ومع دخول اللغة الكردية إلى المدارس لغةً اختيارية، أُزيلت العقبات القانونية أمام هذه المسألة أيضاً. هل هناك مجالات يمكن تطويرها؟ نعم. وطريق ذلك ليس العنف، بل السياسة.

وكما تعلمون، كانت هناك مجالات لدى مواطنينا العلويين حساسيات جدية فيها، وشعروا فيها بالحرمان من حيث سياسات الدولة. وكان يجب إزالة ذلك. وأنا شاهد عن قرب على أن رئيسنا، بصفته صاحب السلطة الحاكمة، سواء حين كان رئيساً للوزراء أو حين أصبح رئيساً للجمهورية، اتخذ مع كوادر حزب العدالة والتنمية خطوات مهمة تحقق المصالحة بين الدولة والمجتمع في هذه المجالات الحرجة الثلاثة.

وكما قلت، انتهى الأساس السياسي لهذه المشكلات. وخصوصاً في "تركيا خالية من الإرهاب" نحن… وقد قال زعيم التنظيم ذلك أيضاً قبل سنوات. أي أن سببها السياسي انتهى، ويجب في الممارسة البحث عن سبيل لوقف هذه الاشتباكات. وقد رأيت أن التطورات في المنطقة، ولا سيما في سوريا والعراق، جعلت ذلك ممكناً.

والآن بالطبع من الجميل أن نسمع هذا أيضاً: إخوتنا في المنطقة يقولون الآن: ماذا تفعلون لتصنيع ديار بكر؟ لدينا قدرة صناعية معينة، فكيف نتوسع صناعياً أكثر؟ حسناً، لقد تصنّعنا، لكن ليس لدي ميناء، فكيف ستحلّون مسائل الربط التي ستنقل منتجاتي؟

كانت المطالب مختلفة في الماضي، أليس كذلك؟

انظروا، هذه مطالب صعبة اقتصادياً، لكنها مطالب ممتعة، ونقاشات ينبغي أن تجري… يجب المضي من هنا. أي أن هنا مشروع قنوات الري، كما تعلمون، وسدّا سيلفان وإليجا الجاري إنشاؤهما… وعندما تكتمل هذه، وتكتمل السدود الأخرى المحيطة بها وقنوات الري، نرى أن 4 ملايين دونم إضافية ستحظى بإمكانية ري أكبر، وقالوا إن المحصول سيتضاعف 2.5 مرة. ولذلك، في الحقيقة، في مكان زالت فيه هذه المشكلة السياسية، مشكلة الهوية، يصبح الهدف، كما في كل الأماكن المتحضرة، رفاه الناس وزيادة غناهم وطمأنينتهم وعيشهم بإمكانات أكبر. ومن المهم للغاية أن تكون هذه الأمور هي موضوع النقاش الآن.

والقاسم المشترك الذي رأيته هو: لا أحد… سواء كانت مشكلة سياسية — ليس الجميع مضطرين إلى التفكير مثلنا، فهناك من يفكرون بشكل مختلف جداً — سواء كانت مشكلة سياسية أو اقتصادية أو من نوع آخر، فإن الجميع يريد حلها لا بالسلاح، بل بالكلام والحوار؛ وهذا أمر مهم وثمين. وأعتقد أن الإرادة والموقف اللذين أبداهما "تحالف الشعب" ورئيسنا والسيد باهتشلي مهمان جداً لدفع مسار "تركيا خالية من الإرهاب". وأعتقد أن الرد الذي جاء من الطرف الآخر ثمين أيضاً. وإن شاء الله أرى أن ذلك مهم ليس لمستقبل تركيا فحسب، بل لمستقبل المنطقة أيضاً، ولطمأنينة إخوتنا الأكراد وسلامهم الإقليمي خارج حدودنا. للأكراد الذين يعيشون في سوريا، وللأكراد الذين يعيشون في العراق… وكما تعلمون، فإن الاستقرار الذي تنتجه تركيا لا يغذيها وحدها، بل يغذي دول المنطقة أيضاً. وفي هذه النقطة قلت هناك أيضاً: ليس إخوتنا الأكراد في تركيا وحدهم، بل الأكراد وراء الحدود أيضاً سينالون نصيبهم من الاستقرار والرفاه اللذين تنتجهما تركيا.

الآن معالي الوزير، وصلنا في مسار يمتد نحو عامين يعرفه الرأي العام إلى مرحلة مهمة جداً. صدر قانون عن البرلمان، وتشكلت لجان. والآن يجب أن يُلقي التنظيم سلاحه. وهناك آلية تعمل أو ستعمل في شمال العراق بهذا الشأن. كيف تسير تلك المرحلة؟ وهل تعتقدون أن هناك تأخيراً؟

الأمر هكذا: كان المرء يتمنى بالطبع أن يسير كل شيء بسرعة أكبر. فمثلاً أعلن التنظيم في مايو/أيار 2025 أنه حلّ نفسه وأنهى الكفاح المسلح. والنقطة التي وصلنا إليها — نحن الآن في سبتمبر/أيلول 2026 — تعني أن أكثر من عام قد مضى. أي أن خطوات ملموسة بشأن إلقاء السلاح لم تُتخذ حتى الآن. ولكي يتحقق ذلك من الآن فصاعداً يجب تفعيل آليات معينة، ولذلك أعتقد أن عامل الوقت مهم. يمكن أن يكون الأمر أسرع، لكن كما قلت يجب توخي الحذر. هناك حالياً تصريحات معينة وإرادات معلنة، لكن المهم في الممارسة هو أن يُلغي التهديد نفسه، وأن يكفّ عن كونه تهديداً. ويجب متابعة ذلك عن كثب شديد.

وأعتقد أن الظروف المتطورة، ولا سيما في سوريا والعراق، والسياسة التي ننتهجها، تغذّي بصراحة مسار "تركيا خالية من الإرهاب" من الجانبين. فالتطورات في سوريا، والتطورات الجارية حالياً في العراق وتلك التي ستحدث والمخطط لها — وأتحدث عن العراق ككل — مكمّلة لمسار "تركيا خالية من الإرهاب". فلم يعد هناك لا في سوريا ولا في العراق مناخ سياسي، ولا وضع احتلال، ولا فهم يسمح بإيواء أي عنصر مسلح غير القوات المسلحة لذلك البلد. وسلطتا البلدين، بغداد ودمشق، مصممتان على ألا تكون في بلديهما جماعات مسلحة أو تنظيمات غير قواتهما المسلحة. ولذلك لم يعد لأحد إمكانية التمدد أو الاختباء هناك. أي لا إمكانية للبقاء هناك وإطلاق النار منها على تركيا. وإذا كان لدى أحد في تركيا همّ ما، فهناك عمل واحد يفعله… أن يأتي ويمارس السياسة علناً هنا، ويحمل همّه إلى الشعب، ويكسب دعم الشعب، ويكافح، ويسقط، وينهض، لكن يمارس السياسة. رئيسنا فعل ذلك، وغيره فعلوا ذلك. لا أن يقول: "لا، لم يعجبني الأمر، سأذهب وأحمل السلاح". حينها ستجد الدولة في مواجهتك.

ولذلك لا سوريا ولا العراق… لم يعد أحد يسمح باحتلال أراضيه من قبل حزب العمال الكردستاني أو أي تنظيم آخر، أو بسيطرة جماعات مسلحة عليها، أو بأن تصول هذه الجماعات وتجول في البلاد؛ هذه هي النقطة التي وصلنا إليها. وهذه إذن نقطة مكمّلة لمسار "تركيا خالية من الإرهاب". وإن شاء الله هناك فرصة جيدة هنا، ونأمل أن يُحسن التنظيم استغلالها، وأن نُخرج هذه المشكلة من أجندتنا نهائياً إن شاء الله بخطوات متبادلة.

الذكاء الاصطناعي ومجتمع المراقبة

معالي الوزير، قبل أيام انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع لكم وأنتم تمشون في أنقرة، التقطته كاميرا إحدى السيارات. وفي هذا السياق أودّ، بإذنكم، أن أطرح سؤالين.

الأول بالطبع عن الذكاء الاصطناعي… قلتم قبل قليل إن الرئيس سيتناول ذلك في كلمته في نيويورك، لكن دعوني أسأل في هذا السياق: هل بدأت تقنيات جمع البيانات والذكاء تبلغ بُعداً خطيراً؟ أودّ أن أعرف رأيكم.

وسؤالي الثاني: هل تجدون وقتاً لممارسة الرياضة، أي المشي، وسط هذا الانشغال الكبير؟

أحب المشي. وأحب أثناء المشي أن أتحدث وأفكر وأناقش العمل مع الزملاء. ويعرف الزملاء في المؤسسات السابقة أيضاً أن أموراً كثيرة دفعناها كثيراً إلى الأمام أثناء المشي هكذا، في جولات مشي طويلة. لكنني لم أعد أجد الفرصة كما في السابق. أحياناً مثلاً، وأنا عائد من العمل، أنزل في مكان قريب من المقر وأمشي. وقبل أيام ذهبت لتقديم عرض لرئيسنا في المجمع الرئاسي، وفي طريق العودة مشيت مثلاً من محطة أنقرة حتى الوزارة. وإذا كان الطقس جيداً والظروف مناسبة، أحاول المشي في الدول التي أزورها. أما هنا فلا تتاح لي فرصة المشي بشكل مخطط ومنتظم جداً، لأن طبيعة العمل ليست كذلك.

لا تستطيعون تخصيص وقت لذلك.

لا تستطيع، لأنك يجب أن تركز على أمر واحد، وهو العمل. هذا العمل أمانة كبيرة. وإذا سنحت لك أثناء أدائه فرصة للمشي فإنك تغتنمها. وكما قلت، في الدول التي أزورها أفعل ذلك أحياناً إن سنحت الفرصة والوقت. لكن الآن، كما تقولون، في ذلك اليوم وبينما كنت أمشي في عطلة نهاية الأسبوع صوّروني بكاميرا سيارة، وانعكس الأمر على وسائل التواصل كما صُوّر. في الحقيقة نحن نبني الآن بأيدينا مجتمع المراقبة الشاملة الذي تحدث عنه جورج أورويل.

وهناك في الحقيقة مفارقة: عندما تأخذ في الاعتبار الرصد والتسجيل الذي تقوم به الدولة، وتقارنه بالرصد والتسجيل الذي يقوم به الناس لبعضهم البعض، تجد أن المواطنين في الواقع يفعلون أكثر، ويسجّلون أكثر، ويتابعون أكثر، وينتجون بيانات أكثر عن حياة الآخرين. أي أن كتاب جورج أورويل يتحقق قليلاً من جانب ما. فالناس يراقبون أنفسهم في مرحلة ما، وهناك هذا الجانب أيضاً، مجتمع المعلومات…

وبالطبع الذكاء الاصطناعي، ومن المفيد التأكيد مجدداً…

نحو زمن يخرج فيه عن السيطرة…

وقد أصبح في الأيام الأخيرة موضوع جدل كبير في الولايات المتحدة أيضاً. هناك مديرو شركات يستقيلون، وهناك من يقولون إنه "سيدمّر البشرية".

نعم. لكن هناك نقطة: بالطبع وصلت أمريكا إلى مرحلة ستناقش فيها ذلك. لقد أنتجت التقنية، وبدأت ترى آثارها وإمكاناتها، ثم تقول: "كيف آخذ الجانب الجيد، وكيف أنظّم الجانب الذي سيضرني"… والآن ما يجب علينا فعله هو ذلك بالضبط: امتلاك التقنية. ولهذا يجب أن نعلن تعبئة شاملة، وهذا أمر بالغ الأهمية.

سيأتي يوم يحدث فيه ما يلي… كنا ذات يوم في اجتماع في أوروبا بشأن المسألة الروسية الأوكرانية، ذهبنا ممثلين عن رئيسنا، "تحالف الراغبين". كان الجميع يقول: "ماذا سنفعل بالحرب، وكيف سنـ…"، فرأيت أن أحداً لا يتحدث عن شيء لإنهاء الحرب. وعندما جاء دور تركيا قلنا… وأنا أذكر ما قلته لأنقل آراءنا الحالية بشأن الذكاء الاصطناعي. الآن تُعدّ أمريكا والصين نفسيهما لعصر جديد. حالياً 75 في المئة من استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وما نسميه "القدرة الحاسوبية" موجودة في أمريكا، و20 في المئة في الصين، و5 في المئة موزعة على العالم. إنهما تُعدّان نفسيهما لعصر جديد؛ ولن يكون ذلك مثل الثورة الصناعية ولا مثل الثورات الأخرى. فالثورة الصناعية كان يمكن نشرها وتعميمها بسهولة أكبر قليلاً: "صنعتَ هنا آلة، خذها…". أما الدول الأخرى، فكما في الأسلحة النووية: إما أن تمتلك تلك التقنية أو لا تمتلكها. الآن مثلاً الدولار منتشر؛ وعندما تختلف مع أمريكا يمكنها أن تطبق عليك شيئاً عبر الدولار أو عبر نظام "سويفت"، ويمكنها فرض عقوبات. وغداً سيدخل الذكاء الاصطناعي الحياة إلى درجة أنها عندما تريد معاقبتك ستقطعك عن الذكاء الاصطناعي، وستقول: "الدول الفلانية لا…". وكما تعلمون جرى مؤخراً نقاش كبير في الاتحاد الأوروبي أيضاً، وقد بدأوا بفعل ذلك من الآن. فقد قال الأمريكيون: "نحظر استخدام الإصدارات الفلانية من Anthropic خارج البلاد". وتخيلوا أن يتزايد ذلك…

ولذلك، في المجالات الأخرى نشتري تقنية أنتجها غيرنا: مثلاً تُصنع سيارة فتشتريها، ويُصنع شيء فتشتريه، لكن الذكاء الاصطناعي ليس كذلك تماماً. نعم، في الذكاء الاصطناعي مجالات ستتحول إلى أموال، ونحن نستخدمها وسنواصل استخدامها، لكن ليس من السهل جداً علينا أن نفعل ذلك وحدنا في هذا المجال أيضاً؛ لدينا خطوات سنتخذها، لكن علينا أن نخطو خطوات كبيرة، ولا سيما بالتكاتف مع دول معينة ضمن جغرافيتنا، حيث سننتج بيانات ضخمة ونُنشئ مراكز بيانات كبرى. ونحن في الواقع نناقش ذلك مع الاتحاد الأوروبي أيضاً بدرجات معينة. أي أنه يجب اتخاذ خطوات تكون تركيا شريكاً فيها أيضاً. وهناك في هذه النقطة أعمال جارية في الحكومة، ووعي كبير جداً بين وزرائنا. لكن المنافسة على المستوى العالمي — دعوني أعبّر هكذا، من أين أدخل أنا في هذا الأمر؟ — لم تعد مسألة منافسة تقنية أو تجارية عادية. إنها مسألة تتعلق بالأمن القومي وبالوجود، مسألة على مستوى رفيع جداً. ويجب أن نراها من هناك وأن ندير الأمر من هناك. أي أن الأمر لا يتعلق فقط بـ"أنتجتُ هذا المنتج، وجلبتُ هذا، وهناك تلك البيانات"، بل هو أمر يجب أن ننظر إليه من مستوى عالٍ جداً.

الزيارات الروحية في دمشق

حسناً معالي الوزير، بدأنا بسوريا، وليكن سؤالنا الأخير عن سوريا أيضاً. سألنا عن السياسة، وهذه المرة أريد أن أسأل أكثر عن الجوانب الأخرى من زيارتكم. لقد زرتم سوريا مرات عديدة بعد سقوط النظام، لكن هذه المرة كانت زيارة ليومين. ورأينا أنكم زرتم، إلى جانب لقاءاتكم الرسمية، أماكن مختلفة: ذهبتم إلى ضريح صلاح الدين الأيوبي، وإلى ضريح محيي الدين بن عربي، وإلى الجامع الأموي. كيف كان شعوركم وأنتم تزورون تلك الأماكن مجدداً بعد سنوات؟

بالطبع هو أمر جميل. وهناك أيضاً رسالة يجب أن نوصلها. لقد بقينا هناك ليلة واحدة، بمعنى: "سوريا أصبحت الآن طبيعية، يجب أن نبقى هنا، ويجب أن نأتي". والشخصيات التي زرناها وسلّمنا عليها هي أيضاً شخصيات لها مكانة في ثقافتنا الأناضولية وعقيدتنا واستراتيجيتنا وسياستنا. فحضرة محيي الدين بن عربي، كما تعلمون، ربما يكون من أعمق الشخصيات في تاريخ التصوف والفكر الإسلامي خصوصاً. وله تأثير كبير في الأناضول. صدر الدين القونوي كان تلميذه، وداود القيصري أيضاً من مدرسته. وهناك تقليد فكري أسسوه يمتد من الزاوية الإسلامية حتى ملا فناري. متصوف كبير ومفكر كبير طرح أسئلة فلسفية كبرى جداً، أسئلة الخلق، والقضايا المتعلقة بعلاقة الله بالعالم، وفي مقدمتها الوجود. وبزيارته فإنك في الحقيقة تزور هذه القضايا وهذا الفكر وهذه الروح في داخلك، وهذا مهم بالنسبة لي. أما أعماله الكبرى، كما تعلمون، فهي "الفتوحات المكية" و"فصوص الحكم"، كتابان. "الفتوحات المكية" أضخم وأكبر. كتب جميلة وموضوعات عميقة… وحتى اليوم فإن ما طرحه، والذي سُمّي لاحقاً "وحدة الوجود" — وهي في رأيي تسمية فيها كثير من التبسيط — هو مجال يحاول مفكرون مختلفون اليوم تفسيره بنماذج مستعارة من فيزياء الكم؛ إلى هذا الحد هو عميق. ولذلك هو مهم.

أما صلاح الدين الأيوبي فلا حاجة للحديث عنه، فهو من ثوابتنا، وحين تذهب إلى هناك يجب أن تسلّم عليه. قائد عسكري ترك حقاً بصمته على التاريخ الإسلامي وتاريخ المنطقة. ووجود قبره في دمشق أمر مهم أيضاً.

وزرنا أيضاً حضرة مولانا خالد البغدادي وسلّمنا عليه. وهو كذلك شخصية أثّرت في الأناضول تأثيراً عميقاً؛ فذلك الرجل العظيم يقف اليوم في أساس عدد كبير جداً من التقاليد الصوفية في الأناضول. دمشق مكان من هذا النوع.

وهناك شهداء الطيران لدينا، فزرناهم. وهناك كبار من السلالة العثمانية توفوا ولهم قبور هناك، فزرناهم.

وهناك عدد كبير من الآثار التي شُيّدت في العهد العثماني، ومن المهم فعلاً رؤيتها. والتكية السليمانية من هذه الناحية أثر معماري مهم جداً، ووظيفته كبيرة أيضاً. وهناك آثار كثيرة مشابهة. ليت وقتنا كان أكثر لنرى جميعها.

لكنني أريد فقط أن أقول من هنا: جزء من جذورنا التاريخية موجود هناك أيضاً، ويجب أن نحافظ عليه. نحن لسنوات طويلة… بالطبع لجذورنا التاريخية عدة أماكن تأسيسية. في البلقان آثار كثيرة جداً وأماكن كثيرة تستحق الزيارة، وقد ذهب إليها مواطنونا كثيراً، وهي مرتبطة بالعالم التركي الإسلامي. ودمشق كذلك مكان من هذا النوع، وبغداد إلى حد ما. وبالطبع يذهب عدد كبير جداً من مواطنينا إلى آسيا الوسطى، إلى وادي فرغانة، وإلى سمرقند وبخارى. ومن الجميل أيضاً أن نجعل البحث عن الهوية والمعنى أعمق وأغنى وأكثر اكتمالاً عبر هذه الرحلة التاريخية. أي أن مستقبلاً أفضل يُعدّ بقراءة أصحّ للتاريخ وقراءة للمعنى؛ وأنا أؤمن بذلك.

معالي الوزير، خصصتم لنا وقتاً وسط هذا الانشغال الكبير وشرّفتمونا؛ شكراً جزيلاً لمساهمتكم في برنامجنا.

شارك على جميع المنصات الاجتماعية